الجاحظ

69

الحيوان

مشيت إليه وادعى متمهّلا * وقد وصلوا خرطومه بحسام فقلت لنفسي : إنّه الفيل ضارب * بأبيض من ماء الحديد هذام « 1 » فإن تنكلي عنه فعذرك واضح * لدى كلّ منخوب الفؤاد عبام « 2 » وعند شجاع القوم أكلف فاحم * كظلمة ليل جلّلت بقتام [ ولما رأيت السيف في رأس هضبة * كما لاح برق من خلال غمام ] « 3 » فناهشته حتى لصقت بصدره * فلما هوى لازمت أيّ لزام وعذت بقرنيه أريد لبانه * وذلك من عادات كلّ محامي فجال وهجّيراه صوت مخضرم * وأبت بقرني يذبل وشمام « 4 » وقال هارون : [ من الطويل ] ولمّا أتاني أنّهم يعقدونه * بقائم سيف فاضل الطّول والعرض مررت ولم أحفل بذلك منهم * إذا كان أنف الفيل في عفر الأرض وحين رأيت السّيف يهتزّ قائما * ويلمع لمع الصّبح بالبلد المفضي « 5 » وصار كمخراق بكفّ حزوّر * يصرّفه في الرّفع طورا وفي الخفض « 6 » فأقبل يفري كلّ شيء سما له * وصرت كأنّي فوق مزلقة دحض « 7 » وأهوي لجاري فاغتنمت ذهوله * فلاذ بقرنيه أخو ثقة محض فجال وجال القرن في كفّ ماجد * كثير مراس الحرب مجتنب الخفض فطاح وولّى هاربا لا يهيده * رطانة هنديّ برفع ولا خفض « 8 »

--> ( 1 ) الهذام : القاطع . ( 2 ) العبام : الأحمق . ( 3 ) البيت إضافة من ربيع الأبرار 5 / 431 . ( 4 ) المخضرم : المقطوع نصف أذنه . يذبل وشمام : جبلان . ( 5 ) المفضي : الواسع . ( 6 ) المخراق : منديل يلوى فيضرب به . الحزوّر : الغلام الذي شبّ وقوي . ( 7 ) سما : ارتفع . ( 8 ) لا يهيده : لا يكترث لها .