الجاحظ
64
الحيوان
وحكوا عن عظم بعض الحيّات ، حتى ألحقوه بهما ، وأكثروا في تعظيم شأن التّنّين ؛ فليس لكم أن تدّعوا للفيل ما ادّعيتم . 2086 - [ رد صاحب الفيل على خصمه ] قال صاحب الهند والمعبّر عن خصال الفيل « 1 » : أمّا الفيل وعلوّ سمكه ، وعظم جفرته ، واتّساع صهوته ، وطول خرطومه ، وسعة أذنه ، وكبر غرموله ، مع خفّة وطئه ، وطول عمره ، وثقل حمله ، وقلة اكتراثه لما وضع على ظهره ، فقد عاين ذلك من الجماعات من لا يستطيع الردّ عليها إلّا جاهل أو معاند . وأمّا ما ادّعيتم من عظم الحيّة وأنّا متى مسحنا طولها وثخنها ، وأخذنا وزنها كانت أكثر من الفيل ، فإنّا لم نسمع هذا إلا في أحاديث الرقّائين ، وأكاذيب الحوّائين ، وتزيّد البحريّين . وأما التنّين فإنّما سبيل الإيمان به سبيل الإيمان بعنقاء مغرب . وما رأيت مجلسا قطّ جرى فيه ذكر التنّين إلّا وهم ينكرونه ويكذّبون المخبر عنه ، إلّا أنا في الفرط ربّما رأينا بعض الشاميّين يزعم أنّ التّنّين إعصار فيه نار يخرج من قبل البحر في بعض الزّمان ، فلا يمرّ بشيء إلّا أحرقه ، فسمّى ذلك ناس « التّنّين » ، ثمّ جعلوه في صورة حيّة . وأما السّرطان فلم نر أحدا قط ذكر أنّه عاينه ، فإن كنّا إلى قول بعض البحريّين نرجع ، فقد زعم هؤلاء أنّهم ربما قربوا إلى بعض جزائر البحر ، وفيها الغياض والأودية واللّخاقيق « 2 » ، وأنّهم في بعض ذلك أوقدوا نارا عظيمة ، فلما وصلت إلى ظهر السرطان هاج بهم وبكلّ ما عليه من النّبات ، حتّى لم ينج منهم إلا الشريد . وهذا الحديث قد طمّ على الخرافات والتّرّهات « 3 » وحديث الخلوة . وأمّا السّمك فلعمري إنّ السمكة التي يقال لها « البال » لفاحشة العظم . وقد عاينوا ذلك عيانا ، وقتلوه يقينا . ولكن أحسبوا أنّ الشّأن في البال على ما ذكرتم ، فهل علمتم أن فيه من الحسّ والمعرفة ، واللّقن والحكاية ، والطّرب وحسن المواتاة وشدّة القتال ، والتمهّد تحت الملوك ، وغير ذلك من الخصال ، كما وجدنا ذلك وأكثر منه في الفيل .
--> ( 1 ) انظر مروج الذهب 2 / 121 . ( 2 ) اللخاقيق : جمع لخقوق ، وهو الشق والخد في الأرض . ( 3 ) الترهات : الأباطيل .