الجاحظ

24

الحيوان

ونحن لم نر قطّ في بطن دجلة والفرات وجميع الأودية والأنهار ، عند نضوب الماء ، وانكشاف الأرض ، وظهور وجه الطين ، وعند الجزر والنّقصان في الماء في مواخر « 1 » الصّيف وأيّام مجاورة الأهلّة والأنصاف « 2 » جحرا قطّ ، فضلا على ما يقولون ، أنّ لها في بطون الأنهار بيوتا . 2032 - [ جحرة الوحش ] ورأيت عجبا آخر ، وهو أنّي في طول ما دخلت البراريّ ، ودخلت البلدان ، في صحارى جزيرة العرب والرّوم والشّام والجزيرة وغير ذلك ، ما أعلم أني رأيت على لقم طريق « 3 » أو جادة ، أو شرك مصاقب ذلك « 4 » أو إذا جانبت الطّرق ، وأمعنت في البراري ، وضربت إلى الموضع الوحشي - جحرا واحدا يجوز أن يدخله ضبع أو تيس ظباء ، أو بعض هذه الأجناس الوحشيّة . وما أكثر ما أرى الجحرة ، ولكني لم أر شيئا يتسع للثّعلب وابن آوى ، فضلا على هذه الوحوش الكبار مما هو مذكور بالتّولج والوجار ، وبالكناس والعرين . وجحر الضبّ يسمّى عرينا ، وهو غير العرين الذي يضاف إلى الشّجر . 2033 - [ حيلة الضب واليربوع ] وأمّا حفظ الحياة والبصر بالكسب ، والاحتراس من العدوّ والاستعداء بالحيل ، فكما أعدّ الضبّ واليربوع « 5 » . 2034 - [ علة اختفاء الفهد والأيل ] والفهد إذا سمن عرف أنه مطلوب ، وأنّ حركته قد ثقلت ، فهو يخفي نفسه بجهده حتى ينقضي ذلك الزمان الذي تسمن فيه الفهود ، ويعلم أنّ رائحة بدنه شهيّة إلى الأسد والنّمر . وهو ألطف شمّا لأراييح السباع القويّة من شمّ السباع للرائحة الشهيّة ، فهي لا تكاد تكون إلّا على علاوة الريح . والأيّل ينصل قرنه في كلّ عام ، فيصير كالأجمّ ، فإذا كان ذلك الزمان استخفى

--> ( 1 ) مواخر : جمع مؤخر ؛ بالتسهيل . ( 2 ) الأنصاف : أي أنصاف الشهور . انظر ما تقدم في 1 / 37 ، 5 / 254 . ( 3 ) لقم الطريق : متنه ووسطه ومعظمه . ( 4 ) شرك الطريق : جواده ، جمع جادة . المصاقب : المجاور . ( 5 ) الضب يعد لمحترشه عقربا ، انظر 6 / 45 ، 58 . واليربوع يحتال بالنافقاء ، انظر 5 / 149 - 150 - 239 .