الجاحظ
155
الحيوان
وكان قاطع الشهادة ، ولم يكن أحد من مواليه يطمع أن يشهده إلّا على شيء لا يختلف فيه الفقهاء . وهو الذي ذكره أبو فرعون فقال « 1 » : [ من الرجز ] خلّوا الطّريق زوجتي أمامي * أنا حميم فرج الحجّام وكان أهل المربد يقولون : لا نرى الإنصاف إلا في حانوت فرج الحجّام ، لأنّه كان لا يلتفت إلى من أعطاه الكثير دون من أعطاه القليل ، ويقدّم الأوّل ثم الثاني ثم الثالث أبدا حتى يأتي على آخرهم ، على ذلك يأتيه من يأتيه ، فكان المؤخّر لا يغضب ولا يشكو . وقال ابن مقروم الضّبي « 2 » : [ من الكامل ] وإذا تعلّل بالسّياط جيادنا * أعطاك نائله ولم يتعلّل « 3 » فدعوا نزال فكنت أوّل نازل * وعلام أركبه إذا لم أنزل ولقد أفدت المال من جمع امرئ * وظلفت نفسي عن لئيم المأكل « 4 » ودخلت أبنية الملوك عليهم * ولشرّ قول المرء ما لم يفعل وشهدت معركة الفيول وحولها * أبناء فارس بيضها كالأعبل « 5 » متسربلي حلق الحديد كأنّهم * جرب مقارفة عنيّة مهمل « 6 » تم المصحف السابع من كتاب الحيوان ، وبتمامه تم الكتاب ، والحمد للّه على حسن الختام . وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام .
--> ( 1 ) البيت لأبي فرعون في رسائل الجاحظ 1 / 182 . ( 2 ) ديوان ربيعة بن مقروم 269 - 270 ، والأغاني 22 / 102 - 104 ، ومعجم البلدان ( أسنمة ) ، والخزانة 3 / 565 - 566 . ( 3 ) علّ : ضرب وتابع الضرب . النائل : العطايا ، ويريد بها ما عنده من ركض ، أي لم تطلب علالته بالضرب . ( 4 ) ظلفت : كففت ومنعت . ( 5 ) معركة الفيول : أراد الوقعة التي كانت في عقب القادسية ، وكانت العجم جاءت بالفيول فيها . الأعبل : حجارة بيض ، شبّه البيض بها . ( 6 ) المقارف : المخالطة ، ولا تكون إلا في الأشياء الدنية . العنية : أبوال الإبل يؤخذ معها أخلاط فتخلط ثم تحبس زمانا في الشمس ؛ ثم تعالج بها الإبل الجربى .