الجاحظ

149

الحيوان

وتعليم وتثقيف ، وأنّه بلغ من حذقه ورفقه أنّه ضرّى ذئبا وعلّمه ، حتى اصطاد له الظّباء والثّعالب وغير ذلك من الوحوش ، وأنّ هذا الذئب بعينه سرّحه فرجع إليه من ثلاثين فرسخا ، وذكر أنّ هذا الذئب اليوم بالعسكر ، وحدّثني بهذا الحديث في الأيام التي قام بها أمير المؤمنين المتوكّل على اللّه ، وذكر أنّه ضرّى أسدا حتى ألف وصار أهليّا صيودا ، حتى اصطاد الحمير والبقر وعظام الوحش صيدا ذريعا ، إلا أنّ الأسد بعد هذا كله وثب على ولد له فأكله ، فقتله السوداني . والذي عندنا في الذّئب أنه يألف . ولو أخذ إنسان جروا صغيرا من جرائه ثمّ ربّاه ، لما نزع إلا وحشيّا غدورا مفسدا . ولذلك قال الأعرابي « 1 » : [ من الوافر ] أكلت شويهتي ونشأت فينا * فمن أنباك أنّ أباك ذيب فالذي حكى عبويه من شأن هذا الذّئب والأسد من غريب الغريب . 2226 - [ مصارعة كلبة لثعلب ] وأخبرني عبويه صاحب ياسر الخادم قال : أرسلت كلبة لي فحاصرت ثعلبا ، فو اللّه إن زالا كذلك حتى خرّا ميّتين ، قال : فقلت : أكرم بهما صيدا ومصيدا ، وطالبا ومطلوبا . 2227 - [ من خصائص الكبار والفلاسفة ] قال : وإذا أسنّ القرشيّ رحل إلى الحجاز . وقال : ما احتنك رجل قطّ إلا أحبّ الخلوة ، وقالوا : ما فكّر فيلسوف قط إلا رأى الغربة أجمع لهمّه وأجود لخواطره . 2228 - [ قول بكر المزني في الأرضة ] قال « 2 » : وشتم رجل الأرضة فقال بكر بن عبد اللّه المزني : « مه ، فهي التي أكلت جميع الصّحيفة التي تعاقد المشركون فيها على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، إلا ذكر رسول اللّه ، وبها تبيّنت الجنّ أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ، وبها تكشّف أمرها عند العوّام بعد الفتنة العظيمة عندهم ، وكان على الخاصّة من ذلك أعظم المحن » .

--> ( 1 ) تقدم البيت مع الخبر ص 113 . ( 2 ) ورد الخبر في ثمار القلوب 738 ، وربيع الأبرار 5 / 477 .