الجاحظ
13
الحيوان
قال « 1 » : أكلت حيّة بيض مكّاء « 2 » فجعل المكّاء يشرشر على رأسها ويدنو منها ، حتى إذا فتحت فاها تريده وهمّت به ألقى فيه حسكة ، فلم يزل يلقي فيه حسكة بعد حسكة ، فأخذت بحلقها حتى ماتت . وأنشد ابن الأعرابيّ عند هذا الحديث قول الشاعر : [ من الطويل ] كأنّ لكلّ عند كلّ سخيمة * يريد بتخريق الأديم استلالها وأنشد أبو عمرو الشيباني بيت شعر ، وهو هذا المعنى بعينه ، وهو قول الأسديّ الدّبيريّ : [ من البسيط ] إن كنت أبصرتني فذّا ومصطلما * فربّما قتل المكّاء ثعبانا يقول : قد يظفر القليل بالكثير . والقليل الأعوان بالكثير الأعوان ؛ والمكّاء من أصغر الطير وأضعفه ، وقد احتال للثّعبان حتّى قتله . 2001 - [ قول جالينوس في معرفة أنثى الطير ] وقال جالينوس في الإخبار عن معارف البهائم والطير ، وفي التعجّب من ذلك وتعجب الناس منه : قولوا لي : من علّم النسر الأنثى إذا خافت على بيضها وفراخها الخفافيش أن تفرش ذلك الوكر بورق الدّلب « 3 » حتى لا تقربه الخفافيش . وهذا أعجب ، والأطباء والعلماء لا يتدافعونه ، والنّسور هي المنسوبة إلى قلّة المعرفة والكيس والفطنة . 2002 - [ حزم فرخ العقاب ] « 4 » وقال ابن الأعرابيّ وأبو الحسن المدائني : قال رجل من الأعراب : « كان سنان بن أبي حارثة أحزم من فرخ العقاب » . وذلك أنّ جوارح الطير تتخذ أوكارها في عرض الجبال ، فربّما كان الجبل عمودا ، فلو تحرّك الفرخ إذا طلب الطعم وقد أقبل إليه أبواه أو أحدهما وزاد في حركته شيئا من موضع مجثمه لهوى من رأس الجبل إلى الحضيض ، وهو يعرف مع صغره وضعفه وقلّة تجربته ، أنّ الصواب في ترك الحركة .
--> ( 1 ) الخبر في ربيع الأبرار 5 / 447 . ( 2 ) المكاء : طائر مثل القنبرة ، سمي بذلك لأنه يمكو ؛ أي يصفر . ( 3 ) الدلب : جنس شجر للتزيين ، وهو من الزهريات يحب الماء . وذكر القدماء أن الدلب لا نور له ولا ثمر ، وأنه من نباتات الصحراء . معجم الألفاظ الزراعية 521 . ( 4 ) انظر هذه الفقرة في ثمار القلوب ( 666 ) ، ومجمع الأمثال 1 / 220 - 221 ، والتمثيل والمحاضرة 365 .