الجاحظ
323
الحيوان
طلب من قبله علم المنطق ، وإن كان المتكلم رفيق اللّسان ، حسن البيان ، إلّا أنّي لا أشكّ على حال أنّ النفوس إذ كانت إلى الطّرائف أحنّ ، وبالنّوادر أشغف ، وإلى قصار الأحاديث أميل ، وبها أصبّ - أنّها خليقة لاستثقال الكثير ، وإن استحقّت تلك المعاني الكثيرة ، وإن كان ذلك الطّويل أنفع ، وذلك الكثير أردّ [ 1 ] . 1669 - [ سرد سائر أبواب الكتاب ] وسنبدأ بعون اللّه تعالى وتأييده ، بالقول في الحشرات والهمج ، وصغار السباع ، والمجهولات الخاملة الذّكر من البهائم ، ونجعل ذلك كله بابا واحدا ، ونتّكل ، بعد صنع اللّه تعالى ، على أنّ ذلك الباب إذ كان أبوابا كثيرة ، وأسماء مختلفة - أنّ القارئ لها لا يملّ بابا حتّى يخرجه الثّاني إلى خلافه ، وكذلك يكون مقام الثّالث من الرّابع ، والرّابع من الخامس ، والخامس من السّادس . 1670 - [ مقياس قدر الحيوان ] وليس الذي يعتمد عليه من شأن الحيوان عظم الجثة ، ولا كثرة العدد ، ولا ثقل الوزن ! والغاية التي يجرى إليها ، والغرض الذي نرمي إليه غير ذلك ، لأن خلق البعوضة وما فيها من عجيب التركيب ، ومن غريب العمل ، كخلق الذّرّة وما فيها من عجيب التركيب ، ومن الإحساس الصّادقة ، والتدابير الحسنة ، ومن الرويّة والنظر في العاقبة ، والاختيار لكلّ ما فيه صلاح المعيشة ، ومع ما فيها من البرهانات النيرة ، والحجج الظّاهرة [ 2 ] . وكذلك خلق السّرفة [ 3 ] وعجيب تركيبها ، وصنعة كفّها ، ونظرها في عواقب أمرها . وكذا خلق النّحلة مع ما فيها من غريب الحكم ، وعجيب التّدبير ، ومن التقدّم فيما يعيشها ، والادخار ليوم العجز عن كسبها ، وشمّها ما لا يشمّ ، ورؤيتها لما لا يرى ، وحسن هدايتها ، والتّدبير في التأمير عليها ، وطاعة ساداتها ، وتقسيط أجناس الأعمال بينها ، على أقدار معارفها وقوّة أبدانها [ 4 ] .
--> [ 1 ] أردّ : أنفع . [ 2 ] وردت الفقرة السابقة في ثمار القلوب ( 642 ) . [ 3 ] السرفة : دودة القز . [ 4 ] وردت الفقرة السابقة في ثمار القلوب ( 732 ) .