الجاحظ

6

الحيوان

وإن زعم أنه إنما أنكر أن تكون النار كانت في العود ، لأنه وجد النار أعظم من العود ، ولا يجوز أن يكون الكبير في الصغير ، وكذلك الدخان - فليزعم أن الدخان لم يكن في الحطب ، وفي الزّيت وفي الزّيت وفي النّفط . فإن زعم أنهما سواء ، وأنه إنما قال بذلك لأن بدن ذلك الحطب لم يكن يسع الذي عاين من بدن النار والدخان ، فليس ينبغي لمن أنكر كمونها من هذه الجهة أن يزعم أنّ شرر القدّاحة والحجر لم يكونا كامنين في الحجر والقدّاحة . وليس ينبغي أن ينكر كمون الدم في الإنسان ، وكمون الدّهن في السمسم ، وكمون الزيت في الزيتون . ولا ينبغي أن ينكر من ذلك إلا ما لا يكون الجسم يسعه في العين . فكيف وهم قد أجروا هذا الإنكار في كلّ ما غاب عن حواسّهم من الأجسام المستترة بالأجسام حتى يعود بذلك إلى إبطال الأعراض ؟ ! كنحو حموضة الخلّ ، وحلاوة العسل ، وعذوبة الماء ، ومرارة الصبر . قال : فإن قاسوا قولهم وزعموا أن الرماد حادث ، كما قالوا في النار والدّخان ، فقد وجب عليهم أن يقولوا في جميع الأجسام مثل ذلك كالدقيق المخالف للبرّ في لونه ، وفي صلابته ، وفي مساحته ، وفي أمور غير ذلك منه . فقد ينبغي أن يزعم أن الدقيق حادث ، وأن البرّ قد بطل . وإذا زعم ذلك زعم أنّ الزّبد الحادث بعد المخض لم يكن في اللبن ، وأنّ جبن اللبن حادث ، وقاس ماء الجبن على الجبن . وليس اللبن إلا الجبن والماء . وإذا زعم أنهما حادثان ، وأن اللبن قد بطل ، لزمه أن يكون كذلك الفخّار ، الذي لم نجده حتى عجنّا التراب اليابس المتهافت على حدته ، بالماء الرّطب السيّال على حدته ، ثم شويناه بالنار الحارّة الصّعّادة على حدتها . ووجدنا الفخار في العين واللمس والذّوق والشّمّ ، وعند النّقر والصّكّ - على خلاف ما وجدنا عليه النار وحدها ، والماء وحده ، والتّراب وحده ؛ فإنّ ذلك الفخار هو تلك الأشياء . والحطب هو تلك الأشياء ، إلا أن أحدها من تركيب العباد ، والآخر من تركيب اللّه . والعبد لا يقلب المركّبات عن جواهرها بتركيبه ما ركب منها . والحجر متى صكّ بيضة كسرها ، وكيف دار الأمر ، سواء كانت الرّيح تقلبه أو إنسان .