الجاحظ
4
الحيوان
قال : ونحن إنما صرنا إذا أطفأنا نار الأتّون [ 1 ] وجدنا أرضه وهواه وحيطانه حارّة ، ولم نجدها مضيئة ، لأن في الأرض ، وفي الماء الذي قد لابس الأرض ، حرّا كثيرا ، وتداخلا متشابكا ؛ وليس فيهما ضياء . وقد كان حرّ النار هيّج تلك الحرارة فأظهرها ، ولم يكن هناك ضياء من ملابس فهيّجه الضياء وأظهره ، كما اتصل الحرّ بالحرّ فأزاله من موضعه ، وأبرزه من مكانه . فلذلك وجدنا أرض الأتّون [ 1 ] ، وحيطانها ، وهواها حارّة ، ولم نجدها مضيئة . وزعم أبو إسحاق أنّ الدليل على أن في الحجر والعود نارا مع اختلاف الجهات ، أنه يلزم من أنكر ذلك أن يزعم أن ليس في السّمسم دهن ولا في الزّيتون زيت . ومن قال ذلك لزمه أن يقول : أن ليس في الإنسان دم ، وأنّ الدّم إنّما تخلّق عند البطّ [ 2 ] ، وكان ليس بين من أنكر أن يكون الصّبر [ 3 ] مرّ الجوهر ، والعسل حلو الجوهر قبل ألّا يذاقا ، وبين السمسم والزيتون قبل أن يعصرا - فرق . وإن زعم الزاعم أنّ الحلاوة والمرارة عرضان ، والزيت والخلّ جوهر ، وإذا لزم من قال ذلك في حلاوة العسل ، وحموضة الخلّ ، وهما طعمان - لزمه مثل ذلك في ألوانهما ، فيزعم أنّ سواد السّبج [ 4 ] ، وبياض الثلج ، وحمرة العصفر ، وصفرة الذهب ، وخضرة البقل ، إنما تحدث عند رؤية الإنسان ، وإن كانت المعاينة والمقابلة غير عاملتين في تلك الجواهر . قال : فإذا قاس ذلك المتكلّم في لون الجسم بعد طعمه ، وفي طوله وعرضه وصورته بعد رائحته ، وفي خفته وثقل وزنه ، كما قاس في رخاوته وصلابته - فقد دخل في باب الجهالات ، ولحق بالذين زعموا أن القربة ليس فيها ماء ، وإن وجدوها باللمس ثقيلة مزكورة [ 5 ] وإنما تخلّق عند حلّ رباطها . وكذلك فليقولوا في الشمس والقمر ، والكواكب ، والجبال ، إذا غابت عن أبصارهم . قال : فمن هرب عن الانقطاع إلى الجهالات ، كان الذي هرب إليه أشدّ عليه .
--> [ 1 ] الاتّون : الموقد . [ 2 ] بطّ الجرح : شقه ، والمبطة : المبضع . [ 3 ] الصّبر : عصارة شجر مر . [ 4 ] السبج : الخرز الأسود . [ 5 ] مزكورة : مملوءة .