الجاحظ

396

الحيوان

وعلى ذلك المعنى روي عن عمر أنّه قال : « متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما » [ 1 ] . قد كان المسلمون يتكلمون في الصّلاة ويطبّقون [ 2 ] إذا ركعوا ، فنهى عن ذلك إمام من الأئمّة ، وضرب عليه ، بعد أن أظهر النّسخ ، وعرّفهم أن ذلك من المنسوخ ، فكأنّ قائلا قال : أتنهانا عن شيء ، وقد كان على عهد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ؟ فيقول : نعم . وقد قدّم الاحتجاج في النّاسخ والمنسوخ . ومن العجب أنّ ناسا جعلوا هذا القول على المنبر من عيوبه . فإن لم يكن المعنى فيه على ما وصفنا ، فما في الأرض أجهل من عمر حين يظهر الكفر في الإسلام على منبر الجماعة ، وهو إنّما علاه بالإسلام . ثمّ في شيء ليس له حجّة فيه ولا علة . وأعجب منه تلك الأمّة ، وتلك الجماعة التي لم تنكر تلك الكلمة في حياته ، ولا بعد موته ؛ ثمّ ترك ذلك جميع التّابعين وأتباع التّابعين ، حتّى أفضى الأمر إلى أهل دهرنا هذا . وتلك الجماعة هم الذين قتلوا عثمان على أن سيّر رجلا ، وهذا لا يقوله إلّا جاهل أو معاند . وعلى تأويل قوله : هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ [ 3 ] قال : جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ [ 4 ] وقال تعالى : حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ، قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ [ 5 ] فجعل للنّار خزائن ، وجعل لها خزنة ، كما جعل في الجنّة خزائن وجعل لها خزنة .

--> [ 1 ] البيان 2 / 282 ، المتعتان هما متعة النساء ومتعة الحج ، والأول يسمى نكاح المتعة ، وقد نهى عنه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أما متعة الحج : فهي محرمة على مكان مكة في الحديث « ليس لأهل مكة تمتع ولا قران » ، وانظر القول في هاتين المتعتين في النهاية 4 / 292 ، وهاتان المتعتان حرمتا من قبل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومعنى قول عمر بن الخطاب : « أنا أنهي عنهما كما نهى عنهما الرسول » وليس المراد أن الرسول أحلهما ، وعمر حرمهما . [ 2 ] في النهاية 3 / 114 ، « كان يطبق في صلاته : هو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد » وانظر البيان 2 / 282 . [ 3 ] 20 / طه : 20 . [ 4 ] 56 / ص : 38 . [ 5 ] 71 / الزمر : 39 .