الجاحظ

366

الحيوان

إذا غفل الناس عن دينهم * فإن عقاربها تضرب قال : فأدخل النّاس بها حوّاء ، وحكوا له شأن تلك العقارب ، فقال : إن هذه العقارب تستقي من أسود سالخ . ونظر إلى موضع في الدار فقال : احفروا هاهنا . فحفروا عن أسودين : ذكر وأنثى ، وللذّكر خصيتان ورأوا حول الذّكر عقارب كثيرة فقتلوها . قال : وقال الفضل بن عبّاس حين راهنه عقرب بالشّعر ، وقيل لكلّ واحد منهما : لست في شيء حتّى تغلب صاحبك ، فقال الفضل [ 1 ] : [ من السريع ] قد تجر العقرب في سوقنا * لا مرحبا بالعقرب التّاجره كل عدوّ يتّقى مقبلا * وعقرب تخشى من الدّابره كلّ عدوّ كيده في استه * فغير ذي أيد ولا ضائره قد ضاقت العقرب واستيقنت * بأنّ لا دنيا ولا آخره إن عادت العقرب عدنا لها * وكانت النّعل لها حاضره واسم أم حارثة بن بدر ، عقرب . وآل أبي موسى يكتنون بأبي العقارب . ومن هؤلاء الذين يكتنون بالعقرب : ابن أبي العقرب الليثيّ الخطيب الفصيح ، الراوية . ورووا أنّ عقربا لسعت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : « لعنها اللّه ، فإنّها لا تبالي من ضربت ! » وقال الضّبيّ : أنا عقرب ، أضرّ ولا أنفع [ 2 ] . وكان الرّجل تلسعه الجرّارة بعسكر مكرم ، أو بجنديسابور ، فتقتله ؛ وربّما تناثر لحمه ، وربّما تعفّن وأنتن ، حتى لا يدنو منه أحد إلّا وهو مخمّر أنفه ، مخافة أعدائه ، ولا سيما إن كان قد نال من اللحم وهو لا يعلم أنّ الوخزة التي وخزها كانت من جرّارة . وكانوا إذا شعروا بها دعوا حجاما ، يحجم ذلك الموضع ويمصّه ، قبل أن يتفشى فيه السمّ ويدخل تلك المداخل . فكان الحجّام لا يجيئهم حتى يقبض دنانير كثيرة . وإنما كانوا يجودون له بذلك ؛ لما كان لصاحبهم في ذلك من الفرج ، وما على الحجام في ذلك من ضرر . وذلك أن وجهه ربّما اسمارّ واربدّ ، وربّما عطّلت مقاديم

--> [ 1 ] الأبيات في عيون الأخبار 1 / 256 ، وحياة الحيوان 2 / 61 ( العقرب ) . [ 2 ] ورد الخبر في عيون الأخبار 2 / 103 ، وربيع الأبرار 5 / 476 .