الجاحظ
93
الحيوان
منه السّافد . وهذا الباب شائع في كثير من الأجناس ، إلّا أنّه في هذه الأجناس أوجد . 674 - [ صيد البزاة للحمام ] ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر الحمام ، من غير أن يشاب بذكر غيره . زعم صاحب المنطق أنّ البزاة عشرة أجناس ، فمنها ما يضرب الحمامة والحمامة جاثمة ، ومنها ما لا يضرب الحمام إلّا وهو يطير ، ومنها ما لا يضرب الحمام في حال طيرانه ولا في حال جثومه ، ولا يعرض له إلّا أن يجده في بعض الأغصان ، أو على بعض الأنشاز والأشجار . فعدّد أجناس صيدها ، ثمّ ذكر أنّ الحمام لا يخفى عليه في أوّل ما يرى البازي في الهواء أيّ البزاة هو ، وأيّ نوع صيده ، فيخالف ذلك . ولمعرفة الحمام بذلك من البازي أشكال : أوّل ذلك أنّ الحمام في أوّل نهوضه يفصل بين النّسر والعقاب ، وبين الرّخمة والبازي ، وبين الغراب والصّقر ؛ فهو يرى الكركيّ والطّبرزين [ 1 ] ولا يستوحش منهما ! ويرى الزّرّق فيتضاءل . فإن رأى الشّاهين فقد رأى السّمّ الذعاف الناقع . 675 - [ إحساس الحيوان بعدوّه ] والنّعجة ترى الفيل والزّندبيل [ 2 ] والجاموس والبعير ، فلا يهزّها ذلك ، وترى السّبع وهي لم تره قبل ذلك ، وعضو من أعضاء تلك البهائم أعظم وهي أهول في العين وأشنع ، ثمّ ترى الأسد فتخافه . وكذلك الببر [ 3 ] والنمر . فإن رأت الذئب وحده اعتراها منه وحده مثل ما اعتراها من تلك الأجناس لو كانت مجموعة في مكان واحد . وليس ذلك عن تجربة ، ولا لأنّ منظره أشنع وأعظم ، وليس في ذلك علّة إلّا ما طبعت عليه من تمييز الحيوان عندها . فليس بمستنكر أن تفصل الحمامة بين البازي والبازي ، كما فصلت بين البازي والكركيّ . فإن زعمت أنّها تعرف بالمخالب فمنقار الكركيّ أشنع وأعظم وأفظع ، وأطول وأعرض . فأمّا طرف منقار الأبغث فما كان كلّ سنان وإن كان مذرّبا [ 4 ] ليبلغه .
--> [ 1 ] الطبرزين : الفأس التي يعلقها الفارس في سرج جواده . انظر المعرب للجواليقي 194 . [ 2 ] الزندبيل : الفيل الكبير . حياة الحيوان 1 / 540 . [ 3 ] الببر : ضرب من السباع ، يسابق الأسد ، يقال إنه متولد من الزبرقان واللبوة . حياة الحيوان 1 / 159 . [ 4 ] المذرب : المحدد « القاموس : ذرب » .