الجاحظ
85
الحيوان
ومع تلك ، ويزقّ مع هذه ومع تلك ، ورأيت أنثى تبيض بيضة ، ورأيت أنثى تبيض في أكثر حالاتها ثلاث بيضات . وزعم أنّه إنّما جزم بذلك فيها ولم يظنه بالذّكر ، لأنّها قد كانت قبل ذلك عند ذكر آخر ، وكانت تبيض كذلك . ورأيت أنا حمامة في المنزل لم يعرض لها ذكر إلّا اشتدّت نحوه بحدّة ونزق وتسرّع ، حتى تنقر أين صادفت منه ، حتى يصدّ عنها كالهارب منها ، وكان زوجها جميلا في العين رائعا ، وكان لها في المنزل بنون وبنو بنين وبنات وبنات بنات ، وكان في العين كأنّه أشبّ من جميعهنّ . وقد بلغ من حظوته أني قلّما رأيته أراد واحدة من عرض تلك الإناث فامتنعت عليه ، وقد كن يمتنعن من غيره ، فبينا أنا ذات يوم جالس بحيث أراهنّ إذ رأيت تلك الأنثى قد زافت لبعض بنيها ! فقلت لخادمي : ما الذي غيّرها عن ذلك الخلق الكريم ؟ فقال : إني رحّلت زوجها من القاطول [ 1 ] فذهب ، ولهذا شهر . فقلت : هذا عذر ! قال مثنّى بن زهير : وقد رأيت الحمامة تزاوج هذا الحمام ، ثم تتحول منه إلى آخر ، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك في الإناث ، ورأيت الذّكر كثير النّسل قويا على القمط ، ثمّ يصفي كما يصفي الرّجل إذا أكثر من النّسل والجماع . ثمّ عدّد مثنّى أبوابا غير ما حفظت ممّا يصاب مثله في الناس . 649 - [ معرفة مثنّى بن زهير بالحمام ] وزعموا أنّ مثنّى كان ينظر إلى العاتق [ 2 ] والمخلف ، فيظن أنّه يجيء من الغاية فلا يكاد ظنه يخطئ . وكان إذا أظهر ابتياع حمام أغلوه عليه ، وقالوا : لم يطلبه إلّا وقد رأى فيه علامة المجيء من الغاية ، وكان يدسّ في ذلك ففطنوا له وتحفظوا منه ، فربّما اشترى نصفه وثلثه ، فلا يقصّر عند الزّجال من الغاية . وكان له خصيّ يقال له خديج ، يجري مجراه ، فكانا إذا تناظرا في شأن طائر لم تخلف فراستهما .
--> [ 1 ] القاطول : اسم نهر كأنه مقطوع من دجلة ؛ وهو نهر كان في موضع سامرا قبل أن تعمّر . معجم البلدان 4 / 299 . [ 2 ] العاتق : فرخ الطائر إذا طار واستقل « القاموس : عتق » .