الجاحظ

83

الحيوان

الخلق لا خير فيه . والحمام كيفما أدرته ، وكيفما زاوجت بين متّفقها ومختلفها ، يكون الولد تامّ الخلق ، مأمول الخير . فمن نتاج الحمام إذا كان مركبا مشتركا ما هو كالرّاعبي والورداني . وعلى أنّ للورداني غرابة لون وظرافة قد ، للرّاعبيّ فضيلة في عظم البدن والفراخ ، وله من الهديل والقرقرة ما ليس لأبويه ، حتّى صار ذلك سببا للزّيادة في ثمنه ، وعلّة للحرص على اتّخاذه . والغنم على قسمين : ضأن ومعز ، والبقر على قسمين : أحدهما الجواميس إلا ما كان من بقر الوحش . والظّلف إذا اختلفا لم يكن بينهما تسافد ولا تلاقح ، فهذه فضيلة للحمام في جهة الإنسال والإلقاح ، واتّساع الأرحام لأصناف القبول . وعلى أنّ بين سائر أجناس الحمام من الوراشين ، والقماريّ ، والفواخت ، تسافدا وتلاقحا . 648 - [ مما أشبه فيه الحمام الناس ] وممّا أشبّه فيه الحمام النّاس ، أنّ ساعات الحضن أكثرها على الأنثى ، وإنّما يحضن الذّكر في صدر النهار حضنا يسيرا ، والأنثى كالمرأة التي تكفل الصبيّ فتفطمه وتمرّضه ، وتتعهده بالتمهيد والتّحريك . حتّى إذا ذهب الحضن وانصرم وقته ، وصار البيض فراخا كالعيال في البيت ، يحتاجون إلى الطّعام والشّراب ، صار أكثر ساعات الزّقّ على الذّكر كما كان أكثر ساعات الحضن على الأنثى . وممّا أشبه فيه الحمام النّاس ما قال مثنّى بن زهير وهو إمام النّاس في البصرة بالحمام وكان جيّد الفراسة ، حاذقا بالعلاج ، عارفا بتدبير الخارجيّ إذا ظهرت فيه مخيلة الخير - واسم الخارجيّ عندهم : المجهول - وعالما بتدبير العريق المنسوب إذا ظهرت فيه علامات الفسولة وسوء الهداية . وقد يمكن أن يخلف ابن قرشيّين ويندب ابن خوزيّ [ 1 ] من نبطيّة . وإنما فضّلنا نتاج العلية على نتاج السّفلة لأنّ نتاج النّجابة فيهم أكثر ، والسّقوط في أولاد السفلة أعمّ ، فليس بواجب أن يكون السفلة لا تلد إلّا السفلة والعلية لا تلد إلّا العلية ، وقد يلد المجنون العاقل والسخيّ البخيل ، والجميل القبيح . وقد زعم الأصمعي أنّ رجلا من العرب قال لصاحب له : إذا تزوّجت امرأة من العرب فانظر إلى أخوالها ، وأعمامها ، وإخوتها ، فإنها لا تخطئ الشّبه بواحد منهم ! وإن كان هذا الموصي والحكيم ، جعل ذلك حكما عامّا فقد أسرف في القول ، وإن كان ذهب إلى التّخويف والزّجر والترهيب كي يختار لنفسه ، ولأنّ المتخيّر أكثر نجابة فقد أحسن .

--> [ 1 ] الخوزي : نسبة إلى خوزستان .