الجاحظ
191
الحيوان
فكان يأكل منها الراكب والقائم والقاعد فأين كانت تقع مذبّة أبي قحافة من هذا الجبل ؟ ! قال : كان يذبّ عنها ويدور حواليها . فضحكوا منه ، فهجر مجلسهم سنة . 831 - [ تحقير شأن الذّبابة ] قال : وفي باب تحقير شأن الذبابة وتصغير قدرها ، يقول الرسول : « لو كانت الدّنيا تساوي عند اللّه تعالى جناح ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئا » [ 1 ] . 832 - [ أعجوبة في ذبان البصرة ] وعندنا بالبصرة في الذبّان أعجوبة ، لو كانت بالشّامات أو بمصر لأدخلوها في باب الطّلّسم ؛ وذلك أنّ التّمر يكون مصبوبا في بيادر التمر في شقّ البساتين ، فلا ترى على شيء منها ذبابة لا في اللّيل ، ولا في النّهار ، ولا في البردين [ 2 ] ولا في أنصاف النهار ، نعم وتكون هناك المعاصر ، ولأصحاب المعاصر ظلال ، ومن شأن الذّباب الفرار من الشّمس إلى الظّلّ . وإنّما تلك المعاصر بين تمرة ورطبة ، ودبس وثجير [ 3 ] ، ثمّ لا تكاد ترى في تلك الظّلال والمعاصر ، في انتصاف النهار ، ولا في وقت طلب الذّبّان الكنّ ، إلّا دون ما تراه في المنزل الموصوف بقلّة الذّبّان . وهذا شيء يكون موجودا في جميع الشّقّ الذي فيه البساتين . فإن تحوّل شيء من تمر تلك الناحية إلى جميع ما يقابلها في نواحي البصرة ، غشيه من الذّبان ما عسى إلّا يكون بأرض الهند أكثر منه وليس بين جزيرة نهر دبيس [ 4 ] ، وبين موضع الذّبان إلّا فيض البصرة ، ولا بين ما يكون من ذلك بنهر أذرب وبين موضع الذبّان ممّا يقابله ، إلّا سيحان [ 5 ] ، وهو ذلك التمر وتلك المعصرة ، ولا تكون تلك المسافة إلّا مائة ذراع أو أزيد شيئا أو أنقص شيئا . 833 - [ نوم عجيب لضروب من الحيوان ] وأعجوبة أخرى ، وهي عندي أعجب من كلّ شيء صدّرنا به جملة القول في
--> [ 1 ] أخرجه الترمذي من حديث سهل بن سعد الساعدي برقم 2321 ، والسيوطي في الجامع الصغير برقم 7480 ، وانظر جامع الأصول 4 / 510 . [ 2 ] البردان : الغداة والعشي ، أو الظل والفيء . « القاموس : برد » . [ 3 ] الثجير : ما عصر من العنب فجرت سلافته وبقيت عصارته ، وثفل البسر يخلط بالتمر . « اللسان : ثجر » . [ 4 ] نهر دبيس : نهر بالبصرة ؛ سمي باسم رجل قصّار كان يقصر عليه الثياب . معجم البلدان 5 / 320 . [ 5 ] سيحان : نهر بالبصرة كان للبرامكة . معجم البلدان 3 / 293 .