الجاحظ

175

الحيوان

وأرى أن ألفظ بألفاظ المتكلمين ما دمت خائضا في صناعة الكلام مع خواصّ أهل الكلام ؛ فإن ذلك أفهم لهم عني ، وأخفّ لمئونتهم عليّ . ولكل صناعة ألفاظ قد حصلت لأهلها بعد امتحان سواها ، فلم تلزق بصناعتهم إلّا بعد أن كانت مشاكلا بينها وبين تلك الصناعة . وقبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلّمين في خطبة ، أو رسالة ، أو في مخاطبة العوام والتجار ، أو في مخاطبة أهله وعبده وأمته ، أو في حديثه إذا تحدث ، أو خبره إذا أخبر . وكذلك فإنّه من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب ، وألفاظ العوامّ وهو في صناعة الكلام داخل . ولكلّ مقام مقال ، ولكلّ صناعة شكل . 812 - [ خلق بعض الحيوان من غير ذكر وأنثى ] ثم رجع بنا القول إلى ما يحدث اللّه عزّ وجلّ من خلقه من غير ذكر ولا أنثى . فقلنا [ 1 ] : إنّه لا بدّ في ذلك من تلاقي أمرين يقومان مقام الذّكر والأنثى ، ومقام الأرض والمطر . وقد تقرب الطّبائع ، وإن لم تتحوّل في جميع معانيها ، كالنطفة والدّم ، وكاللّبن والدّم . وقد قال صاحب المنطق : أقول بقول عامّ : لا بدّ لجميع الحيوان من دم ، أو من شيء يشاكل الدّم . ونحن قد نجد الجيف يخلق منها الدّيدان ، وكذلك العذرة . ولذلك المجوسيّ كلما تبرّز ذرّ على برازه شيئا من التراب ؛ لئلا يخلق منها ديدان . والمجوسيّ لا يتغوّط في الآبار والبلاليع لأنّه بزعمه يكرم بطن الأرض عن ذلك ، ويزعم أنّ الأرض أحد الأركان التي بنيت العوالم الخمسة عليها بزعمهم : أبرسارس وأبرمارس وأبردس وكارس وحريرة أمنة . وبعضهم يجعل العوالم ستة ويزيد أسرس ، ولذلك لا يدفنون موتاهم ولا يحفرون لهم القبور ، ويضعونهم في النّواويس وضعا . قالوا : ولو استطعنا أن نخرج تلك الجيف من ظهور الأرضين وأجواف الأحراز [ 2 ] ، كما أخرجناها من بطون الأرضين لفعلنا . وهم يسمّون يوم القيامة روز رستهار ، كأنّه يوم تقوم الجيف . فمن بغضهم لأبدان الموتى سمّوها بأسمج أسمائهم .

--> [ 1 ] انظر الفقرة ( 807 ) . [ 2 ] الأحراز : جمع حرز ، وهو المكان الحصين « القاموس : حرز » .