الجاحظ
171
الحيوان
بنور الباقلاء ، الذي يعرفون من فساد طبعه ، وأنّه غير مأمون على الدّماغ وعلى الخيشوم والصّماخ [ 1 ] ، ويزعمون أنّ عمله الذي عمله هو القصد إلى الأذهان بالفساد . وكان يزعم أنّ كلّ شيء يكون رديئا للعصب فإنّه يكون رديئا للذّهن ، وأن البصل إنما كان يفسد الذهن ؛ إذ كان رديّا للعصب ، وأن البلاذر [ 2 ] إنما صار يصلح العقل ويورث الحفظ ؛ لأنّه صالح للعصب . وكان يقول : سواء عليّ أكلت الذّبان أو أكلت شيئا لا يولّد إلّا الذّبان ، وهو لا يولّده إلّا هو . والشيء لا يلد الشيء إلّا وهو أولى الأشياء به ، وأقربها إلى طبعه ، وكذلك جميع الأرحام ، وفيما ينتج أرحام الأرض وأرحام الحيوان ، وأرحام الأشجار ، وأرحام الثّمار ، فيما يتولّد منها وفيها . 806 - [ حديث أبي سيف حول حلاوة الخرء ] وبينما أنا جالس يوما في المسجد مع فتيان من المسجديّين مما يلي أبواب بني سليم ، وأنا يومئذ حدث السّنّ إذ أقبل أبو سيف الممرور - وكان لا يؤذي أحدا ، وكان كثير الظّرف من قوم سراة - حتى وقف علينا ، ونحن نرى في وجهه أثر الجدّ ، ثمّ قال مجتهدا : واللّه الذي لا إله إلّا هو إن الخرء لحلو . ثمّ واللّه الذي لا إله إلّا هو إنّ الخرء لحلو . ثم واللّه الذي لا إله إلّا هو إن الخرء لحلو ، يمينا باتّة يسألني اللّه عنها يوم القيامة ! فقلت له : أشهد أنّك لا تأكله ولا تذوقه ، فمن أين علمت ذلك ؟ فإن كنت علمت أمرا فعلّمنا مما علمك اللّه . قال : رأيت الذّبّان يسقط على النّبيذ الحلو ، ولا يسقط على الحازر [ 3 ] ، ويقع على العسل ولا يقع على الخلّ ، وأراه على الخرء أكثر منه على التّمر . أفتريدون حجّة أبين من هذه ؟ فقلت : يا أبا سيف بهذا وشبهه يعرف فضل الشّيخ على الشابّ . 807 - [ تخلق بعض الحيوان من غير ذكر وأنثى ] [ 4 ] ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر خلق الذّبان من الباقلاء . وقد أنكر ناس من العوامّ
--> [ 1 ] الصماخ : خرق الأذن ، والأذن نفسها « القاموس : صمخ » . [ 2 ] البلاذر : يسمى باليونانية أنقرديا Anacardier ومعناها : الشبيه بالقلب ؛ إلماعا إلى شكل الثمر ، وهو نبات طبي من فصيلة البطميات ، تؤكل ثماره ؛ وتسمى تفاح الأكاجو ، وتفاح البلاذر ، انظر معجم الألفاظ الزراعية للشهابي 36 . [ 3 ] الحازر : الحامض من اللبن والنبيذ « القاموس : حزر » . [ 4 ] انظر الفقرة ( 812 ) .