الجاحظ

169

الحيوان

ويقال قد ونم الذّباب - في معنى خرئ الإنسان - وعرّ الطائر . وصام النّعام ، وذرق الحمام . قال الشاعر [ 1 ] : [ من الوافر ] وقد ونم الذّباب عليه حتّى * كأنّ ونيمه نقط المداد وليس طول كوم البعير إذا ركب النّاقة ، والخنزير إذا ركب الخنزيرة ، بأطول ساعة من لبث ذكورة الذّبان على ظهور الإناث عند السّفاد . 803 - [ تخلق الذّباب ] [ 2 ] والذّباب من الخلق الذي يكون مرّة من السّفاد والولاد ، ومرّة من تعفّن الأجسام والفساد الحادث في الأجرام . والباقلاء إذا عتق شيئا في الأنبار [ 3 ] استحال كلّه ذبابا ، فربّما أغفلوه في تلك الأنبار فيعودون إلى الأنبار [ 3 ] وقد تطاير من الكوى والخروق فلا يجدون في الأنبار إلّا القشور . والذّباب الذي يخلق من الباقلاء يكون دودا ، ثمّ يعود ذبابا . وما أكثر ما ترى الباقلاء مثقّبا في داخله شيء كأنّه مسحوق ، إذا كان اللّه قد خلق منه الذّبّان وصيّره . وما أكثر ما تجده فيه تامّ الخلق . ولو تمّ جناحاه لقد كان طار . 804 - [ حديث شيخ عن تخلق الذّباب ] وحدّثني بعض أصحابنا عن شيخ من أهل الخريبة قال : كنت أحبّ الباقلاء ، وأردت ، إمّا البصرة وإما بغداد - ذهب عنّي حفظه - فصرت في سفينة حملها باقلاء ، فقلت في نفسي : هذا واللّه من الحظّ وسعادة الجدّ ، ومن التّوفيق والتسديد ، ولقد أربع من وقع له مثل هذا الذي قد وقع لي : أجلس في هذه السفينة على هذا الباقلاء ، فآكل منه نيّا ومطبوخا ومقلوّا ، وأرضّ [ 4 ] بعضه وأطحنه ، وأجعله مرقا وإداما ، وهو يغذو غذاء صالحا ، ويسمن ، ويزيد في الباه . فابتدأت فيما أمّلته ، ودفعنا السّفينة ،

--> [ 1 ] البيت للفرزدق في ديوانه 215 ( طبعة الصاوي ) ، واللسان والتاج ( ونم ) ، والمجمل 4 / 556 ، والجمهرة 992 ، وبلا نسبة في ديوان الأدب 3 / 255 ، والمخصص 8 / 186 ، والتهذيب 15 / 535 ، 16 / 209 . [ 2 ] انظر الفقرة ( 797 ) . [ 3 ] الأنبار : جمع نبر ، وهو بيت التاجر ينضّد فيه المتاع ، والأنبار أيضا : أكداس الطعام « القاموس : نبر » . [ 4 ] أرضّ : أدق « القاموس : رضض » .