الجاحظ

166

الحيوان

القنع : الموضع الذي يجتمع فيه نقران الماء . والفراش : الماء الرقيق الذي يبقى في أسفل الحياض . وأخبرني رجل من ثقيف ، من أصحاب النّبيذ أنّهم ربّما فلقوا السّفرجلة أيام السّفرجل للنّقل والأكل ، وليس هناك من صغار الذّبّان شيء البتّة ولا يعدمهم أن يروا على مقاطع السّفرجل ذبابا صغارا . وربّما رصدوها وتأمّلوها ، فيجدونها تعظم حتّى تلحق بالكبار في السّاعة الواحدة . 798 - [ حياة الذّباب والجعلان بعد موته ] قال : وفي الذّبان طبع كطبع الجعلان ، فهو طبع غريب عجيب . ولولا أنّ العيان قهر أهله لكانوا خلقاء أن يدفعوا الخبر عنه ؛ فإنّ الجعل إذا دفن في الورد مات في العين ، وفنيت حركاته كلّها ، وعاد جامدا تارزا [ 1 ] ولم يفصل الناظر إليه بينه وبين الجعل الميّت ، ما أقام على تأمله . فإذا أعيد إلى الروث عادت إليه حركة الحياة من ساعته . وجرّبت أنا مثل ذلك في الخنفساء ، فوجدت الأمر فيها قريبا من صفة الجعل ، ولم يبلغ كلّ ذلك إلّا لقرابة ما بين الخنفساء والجعل . ودخلت يوما على ابن أبي كريمة ، وإذا هو قد أخرج إجّانة [ 2 ] كان فيها ماء من غسالة أوساخ الثياب ، وإذا ذبّان كثيرة قد تساقطن فيه من اللّيل فموّتن . هكذا كنّ في رأي العين . فغبرن كذلك عشيّتهنّ وليلتهنّ ، والغد إلى انتصاف النهار ، حتّى انتفخن وعفنّ واسترخين ؛ وإذا ابن أبي كريمة قد أعدّ آجرّة جديدة ، وفتات آجرّ جديد ، وإذا هو يأخذ الخمس منهنّ والستّ ، ثمّ يضعهنّ على ظهر الآجرّة الجديدة ، ويذرّ عليهنّ من دقاق ذلك الآجرّ الجديد المدقوق بقدر ما يغمرها فلا تلبث أن يراها قد تحرّكت ، ثمّ مشت ، ثمّ طارت ؛ إلّا أنّه طيران ضعيف . 799 - [ غلام ابن أبي كريمة ] وكان ابن أبي كريمة يقول : لا واللّه ، لا دفنت ميّتا أبدا حتّى ينتن ! قلت : وكيف ذاك ؟ قال : إنّ غلامي هذا نصيرا مات ، فأخّرت دفنه لبعض الأمر ، فقدم أخوه تلك اللّيلة فقال : ما أظنّ أخي مات ! ثمّ أخذ فتيلتين ضخمتين ، فروّاهما دهنا ثمّ

--> [ 1 ] التارز : اليابس لا روح فيه ؛ والميت « القاموس : ترز » . [ 2 ] الإجانة : الوعاء يغسل فيه الثياب « القاموس : أجن » .