الجاحظ

158

الحيوان

من العذرة ، فكذلك لا شيء أقذر من الذّبان والقمل . وأمّا العذرة فلو لا أنّها كذلك لكان الإنسان مع طول رؤيته لها ، وكثرة شمّه لها من نفسه في كلّ يوم صباحا ومساء ، لقد كان ينبغي أن يكون قد ذهب تقذّره له على الأيّام ، أو تمحّق ، أو دخله النّقص . فثباتها ستين عاما وأكثر وأقلّ على مقدار واحد من النتن في أنف الرّجل ومنهم من وجدناه بعد مائة عام كذلك ، وقد رأينا المران والعادات وصنيعها في الطّبائع . وكيف تهوّن الشديد ، وتقلّل الكثير . فلو لا أنّا فوق كلّ شيء من النّتن ، لما ثبتت هذا الثّبات ، ولعرض لها ما يعرض لسائر النّتن ، وبعد فلو كان إنّما يشمّ شيئا خرج من جوف غيره ولم يخرج من جوف نفسه ، لكان ذلك أشبه . فإذ قد ثبت في أنفه على هذا المقدار . وهو منه دون غيره ، وحتّى صار يجده أنتن من رجيع جميع الأجناس - فليس ذلك إلّا لما قد خصّ به من المكروه . وكذلك القول في القمل الذي إنّما يخلق من عرق الإنسان ، ومن رائحته ووسخ جلده . وبخار بدنه . وكذلك الذّبّان المخالطة لهم في جميع الحالات ، والملابسة لهم دون جميع الهوامّ والهمج والطّير والبهائم والسّباع حتّى تكون ألزم من كلّ ملازم ، وأقرب من كلّ قريب ؛ حتى ما يمتنع عليه شيء من بدن الإنسان ، ولا من ثوبه ، ولا من طعامه ، ولا من شرابه ، حتّى لزمه لزوما لم يلزمه شيء قطّ كلزومه ، حتى إنّه يسافر السّفر البعيد من مواضع الخصب ، فيقطع البراريّ والقفار التي ليس فيها ولا بقربها نبات ولا ماء ولا حيوان ، ثم مع ذلك يتوخّى عند الحاجة إلى الغائط في تلك البرّية أن يفارق أصحابه ، فيتباعد في الأرض ، وفي صحراء خلقاء [ 1 ] ، فإذا تبرّز فمتى وقع بصره على برازه رأى الذّبّان ساقطا عليه . فقبل ذلك ما كان يراه . فإن كان الذّباب شيئا يتخلّق له في تلك الساعة فهذه أعجب مما رآه ومما أردنا وأكثر ممّا قلنا . وإن كان قد كان ساقطا على الصّخور الملس ، والبقاع الجرد ، في اليوم القائظ ، وفي الهاجرة التي تشوي كلّ شيء ، وينتظر مجيئه - فهذا أعجب ممّا قلنا . وإن كانت قد تبعته من الأمصار ، إمّا طائرة معه ، وإمّا ساقطة عليه ، فلما تبرّز انتقلت عنه إلى برازه ، فهذا تحقيق لقولنا إنّه لا يلزم الإنسان شيء لزوم الذباب ؛ لأنّ العصافير ، والخطاطيف ، والزّرازير ، والسّنانير ، والكلاب وكلّ شيء يألف النّاس ، فهو يقيم مع النّاس . فإذا مضى الإنسان في سفره ، فصار كالمستوحش ، وكالنّازل بالقفار ، فكلّ شيء أهليّ يألف النّاس فإنّما هو مقيم على مثل ما كان من إلفه لهم ، لا يتبعهم من دور النّاس إلى منازل الوحش ؛ إلّا الذّبّان .

--> [ 1 ] خلقاء : لا نبات فيها « القاموس : خلق » .