الجاحظ

153

الحيوان

قليلة الشّرب للماء . والأسد كذلك . قال أبو زبيد الطائي [ 1 ] : [ من المنسرح ] تذبّ عنه كفّ بها رمق * طيرا عكوفا كزوّر العرس إذا ونى ونية دلفن له * فهنّ من والغ ومنتهس [ 2 ] قال : والطّير لا تلغ ، وإنما يلغ الذباب . وجعله من الطّير ، وهو وإن كان يطير فليس ذلك من أسمائه . فإذ قد جاز أن يستعير له اسم الطائر ، جاز أن يستعير للطير ولغ السّباع فيجعل حسوها ولغا ، وقال الشاعر : [ من الطويل ] سراع إلى ولغ الدماء رماحهم * وفي الحرب والهيجاء أسد ضراغم 770 - [ خصلتان محمودتان في الذباب ] قال وفي الذباب خصلتان من الخصال المحمودة : أمّا إحداهما : فقرب الحيلة لصرف أذاها ودفع مكروهها ؛ فمن أراد إخراجها من البيت فليس بينه وبين أن يكون البيت على المقدار الأوّل من الضّياء والكنّ بعد إخراجها مع السّلامة من التأذي بالذبان - إلّا أن يغلق الباب ، فإنّهنّ يتبادرن إلى الخروج ، ويتسابقن في طلب الضوء والهرب من الظلمة ، فإذا أرخي السّتر وفتح الباب عاد الضّوء وسلم أهله من مكروه الذباب ، فإن كان في الباب شقّ ، وإلّا جافى المغلق أحد البابين عن صاحبه ولم يطبقه عليه إطباقا . وربّما خرجن من الفتح الذي يكون بين أسفل الباب والعتبة . والحيلة في إخراجها والسّلامة من أذاها يسيرة ، وليس كذلك البعوض ؛ لأنّ البعوض إنما يشتدّ أذاه ، ويقوى سلطانه ، ويشتدّ كلبه في الظلمة ، كما يقوى سلطان الذبان في الضياء ، وليس يمكن النّاس أن يدخلوا منازلهم من الضّياء ما يمنع عمل البعوض ؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا بإدخال الشّمس ، والبعوض لا يكون إلّا في الصّيف ، وشمس الصّيف لا صبر عليها . وليس في الأرض ضياء انفصل من الشمس إلّا ومعه نصيبه من الحرّ ، وقد يفارق الحرّ الضياء في بعض المواضع ، والضّياء لا يفارق الحرّ في مكان من الأماكن . فإمكان الحيلة في الذباب يسير ، وفي البعوض عسير ! والفضيلة الأخرى : أنه لولا أن الذّبابة تأكل البعوضة وتطلبها وتلتمسها على وجوه حيطان البيوت ، وفي الزوايا ، لما كان لأهلها فيها قرار !

--> [ 1 ] ديوان أبي زبيد 640 ، وطبقات ابن سلام 516 ، والحماسة الشجرية 273 ، والأول بلا نسبة في اللسان والتاج ( عكف ) . [ 2 ] في ديوانه ( ولغ السبع والكلب : شرب بطرف لسانه ، ونهس اللحم : قبض عليه بمنسره ) .