الجاحظ

134

الحيوان

ويرجع . ولكن أثقب لي موضعها . فلما ثقبه وأخذ وحقّه ولّاني ظهره للانصراف ، والتفت إليّ فقال : قد جوّدت الثّقب ، ولكن انظر أيّ نجار يدقّ فيه الزّرّة ؛ فإنه إن أخطأ بضربة واحدة شقّ الباب - والشق عيب - فعلمت أنّه يفهم صناعته فهما تامّا . 735 - [ قص الحمام ونتفه ] وبعض الناس إذا أراد أن يعلّم زوجا قصّهما ولم ينتفهما . وبين النّتف والقصّ بون بعيد . والقصّ كثير القصّ لا يوجع ولا يقرّح مغارز قصب الرّيش ، والنّتف يوهن المنكبين . فإذا نتف الطائر مرارا لم يقو على الغاية ، ولم يزل واهن المنكبين . ومتى أبطأ عليه فنتفه وقد جفّت أصوله وقربت من الطّرح كان أهون عليه ، وكلما كان النبات أطرأ كان أضرّ عليه . وإنه ليبلغ من مضرّته ، وأنّ الذّكر لا يجيد الإلقاح ، والأنثى لا تجيد القبول . وربّما نتفت الأنثى وقد احتشت بيضا ، وقد قاربت أن تبيض ، فتبطئ بعد وقتها الأيّام ؛ وربما أضرّ ذلك بالبيض . 736 - [ زجل الحمام ] قال : وإذا بلغ الثّاني مبلغ الأوّل في استواء الرّيش ، والاهتداء إلى العلم ، طيّرا جميعا ، ومنعا من الاستقرار ؛ إلّا أن يظن بهما الإعياء والكلال . ثم يوطّن لهما المراجل برّا وبحرا ، من حيث يبصران إذا هما ارتفعا في الهواء السّمت ونفس العلم ، وأقاصي ما كانا يريانه منها عند التّباعد في الدّوران والجولان . فإذا رجعا من ذلك المكان مرّات زجلا من أبعد منه - وقد كانوا مرّة يعجبهم أن يزجلوا من جميع التوطينات ، ما لم تبعد ، مرّتين مرّتين - فلا يزالان كذلك حتّى يبلغا الغاية ، ويكون أحدهما محتبسا إذا أرسل صاحبه ؛ ليتذكّره فيرجع إليه . فإن خيف عليه أن يكون قد ملّ زوجته ، عرضت عليه زوجة أخرى قبل الزّجل ؛ فإذا تسنّمها مرّة حيل بينه وبينها يومه ذلك ، ثمّ عرضوها عليه قبل أن يحمل ، فإذا أطاف بها نحّيت عنه ، ثمّ حمل إلى الزّاجل ؛ فإنّ ذلك أسرع له . وقال : اعلموا أنّ أشدّ المزاجل ما قلّت أعلامه ، كالصّحارى والبحار . 737 - [ اختلاف طباع الطير ] قال : والطير تختلف في الطّباع اختلافا شديدا : فمنها القويّ ، ومنها الضعيف ، ومنها البطيء ، ومنها السّريع ، ومنها الذّهول ، ومنها الذّكور ، ومنها القليل الصّبر على العطش ، ومنها الصّبور . وذلك لا يخفى فيهنّ عند التّعليم والتّوطين ، في سرعة