الجاحظ
104
الحيوان
685 - [ ثمن الحمام وغيره ] [ 1 ] وللحمام من الفضيلة والفخر ، أن الحمام الواحد يباع بخمسائة دينار ، ولا يبلغ ذلك باز ولا شاهين ، ولا صقر ولا عقاب ، ولا طاوس ، ولا تدرج ولا ديك ، ولا بعير ولا حمار ، ولا بغل . ولو أردنا أن نحقّق الخبر بأنّ برذونا أو فرسا بيع بخمسمائة دينار ، لما قدرنا عليه إلّا في حديث السّمر . وأنت إذا أردت أن تتعرّف مبلغ ثمن الحمام الذي جاء من الغاية ، ثمّ دخلت بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة . وفيه أنّ الحمام إذا جاء من الغاية بيع الفرخ الذّكر من فراخ بعشرين دينارا أو أكثر ، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير أو أكثر ، وبيعت البيضة بخمسة دنانير ، فيقوم الزّوج منها في الغلّة مقام ضيعة ، وحتى ينهض بمؤنة العيال ، ويقضي الدّين ، وتبنى من غلّاته وأثمان رقابه الدّور الجياد ، وتبتاع الحوانيت المغلّة . هذا ؛ وهي في ذلك الوقت ملهى عجيب ، ومنظر أنيق ، ومعتبر لمن فكّر ، ودليل لمن نظر . 686 - [ عناية الناس بالحمام ] ومن دخل الحجر ورأى قصورها المبنيّة لها بالشّامات وكيف اختزان تلك الغلّات ، وحفظ تلك المئونات ؛ ومن شهد أرباب الحمام . وأصحاب الهدى وما يحتملون فيها من الكلف الغلاظ أيّام الزّجل ، في حملانها على ظهور الرّجال ، وقبل ذلك في بطون السفن ، وكيف تفرد في البيوت ، وتجمع إذا كان الجمع أمثل ، وتفرّق إذا كانت التّفرقة أمثل وكيف تنقل الإناث عن ذكورتها ، وكيف تنقل الذّكورة عن إناثها إلى غيرها ، وكيف يخاف عليها الضّوى [ 2 ] إذا تقاربت أنسابها ، وكيف يخاف على أعراقها من دخول الخارجيّات فيها ، وكيف يحتاط في صحّة طرقها ونجلها ؛ لأنّه لا يؤمن أن يقمط الأنثى ذكر من عرض الحمام ، فيضرب في النّجل بنصيب ، فتعتريه الهجنة - والبيضة عند ذلك تنسب إلى طرقها . وهم لا يحوطون أرحام نسائهم كما يحوطون أرحام المنجبات من إناث الحمام . ومن شهد أصحاب الحمام عند زجلها من الغاية ، والذين يعلّمون الحمام كيف يختارون لصاحب العلامات ، وكيف يتخيّرون الثّقة وموضع الصّدق والأمانة ، والبعد من الكذب والرّشوة ، وكيف يتوخّون
--> [ 1 ] ربيع الأبرار 5 / 447 . [ 2 ] الضوى : الهزال والضعف « القاموس : ضوى » .