الجاحظ

343

الحيوان

تنقضي الحرب التي بينهم فيجتمعوا عليك ! فنهاهم عن ذلك وخطّأ رأيهم ، فأبوا عليه إلّا أن يغزوا العرب في بلادهم . فلمّا رأى ذلك منهم أمر بكلبين فحرّش بينهما ، فاقتتلا قتالا شديدا ، ثمّ دعا بثعلب فخلّاه ، فلما رأى الكلبان الثعلب ، تركا ما كانا فيه ، وأقبلا عليه حتّى قتلاه ، فقال ملك الروم : كيف ترون ! ؟ هكذا العرب ، تقتتل بينها ، فإذا رأونا تركوا ذلك واجتمعوا علينا فعرفوا صدقه ، ورجعوا عن رأيهم . 374 - [ كرم الكلاب ] قال : وقال المغيرة لرجل خاصم إليه صديقا له ، وكان الصديق توعّده بصداقة المغيرة ، فأعلمه الرجل ذلك ، وقال : إنّ هذا يتوعّدني بمعرفتك إيّاه ، وزعم أنّها تنفعه عندك . قال « 1 » : أجل ! إنّها واللّه لتنفع ، وإنّها لتنفع عند الكلب العقور « 2 » ! . فإذا كان الكلب العقور كذلك ، فما ظنّك بغيره ؟ وأنت لا تصيب من الناس من تنفع عنده المعرفة من ألف واحدا . وهذا الكرم في الكلاب عامّ . والكلب يحرس ربّه ، ويحمي حريمه شاهدا وغائبا ، وذاكرا وغافلا ، ونائما ويقظان ، ولا يقصّر عن ذلك وإن جفوه ، ولا يخذلهم وإن خذلوه . 375 - [ نعاس الكلب ] « 3 » والكلب أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجتهم إلى النوم ، وإنّما نومه نهارا ، عند استغنائهم عن حراسة ، ثمّ لا ينام إلّا غرارا وإلّا غشاشا « 4 » . وأغلب ما يكوم النّوم عليه وأشدّ ما يكون إسكارا له أن يكون كما قال رؤبة : [ من الرجز ] لاقيت مطلا كنعاس الكلب « 5 » يعني بذلك القرمطة في المواعيد . وكذلك فإنّه أنوم ما يكون أن يفتح عينه بقدر ما يكفيه للحراسة ، وذلك ساعة ،

--> ( 1 ) ورد قول المغيرة في البيان والتبيين 3 / 280 . ( 2 ) بعده في البيان والتبيين « والجمل الصئول ، فكيف بالرجل الكريم » . العقور : الذي يعض ويجرح . ( 3 ) وردت هذه الفقرة في ثمار القلوب ( 589 ) . ( 4 ) الغرار والغشاش : النوم القليل . ( 5 ) ديوان رؤبة 17 .