الجاحظ
337
الحيوان
في المجلس ، وحيث يدعه ربّ المجلس صيانة له وإبقاء عليه - إلّا أن يتصدّر فيه من لا يجوز إلّا أن يكون صدرا ، فلا يقصّر الكلب دون أن يرقى عليه . وقد كان في حجج معاوية في اتخاذ المقصورة بعد ضرب البرك إيّاه بالسيف ، أنّه أبصر كلبا على منبره . هذا على ما طبع عليه من إكرام الرّجل الجميل اللباس ، حتّى لا ينبح عليه إن دنا من باب أهله ، مع الوثوب على كل أسود ، وعلى كلّ رثّ الهيئة ، وعلى كلّ سفيه تشبه حاله حال أهل الرّيبة . ومن كبره وشدّة تجبّره ، وفرط حميّته « 1 » وأنفته واحتقاره . أنه متى نبح على رجل في الليل ، ولم يمنعه حارس ولم يمكنه الفوت ، فدواؤه عند الرجل أنه لا ينجيه منه إلّا أن يقعد بين يديه مستخزيا مستسلما ، وأنّه إذا رآه في تلك الحال دنا منه فشغر « 2 » عليه ؛ ولم يهجه ، كأنّه حين ظفر به ، ورآه تحت قدرته ، رأى أن يسمه بميسم ذلّ ، كما كانت العرب تجزّ نواصي الأسرى من الفرسان ، إذا رامت أن تخلّي سبيلها وتمنّ عليها ، ولو كفّ العربيّ عن جزّ ناصيته ، لوسمه الأسير من الشّعر والقوافي الخالدات البواقي ، التي هي أبقى من الميسم ، بما هو أضرّ عليه من جزّ ناصيته ، ولعلّه لا يبلغ أهله حتّى تستوي مع سائر شعر رأسه ، ولكنّ ذلّ الجزّ لا يزال يلوح في وجهه ، ولا يزال له أثر في قلبه . 364 - [ رأي في الكلب ] وذكر أنّ مطرّف بن عبد اللّه كان يكره أن يقال للكلب اخسأ ، وما أشبه ذلك ، وفي دعائه على أصحاب الكلب الذي كان أربابه لا يمنعونه من دخول مصلّاه ، قال : اللهمّ امنعهم بركة صيده ! ! دليل على حسن رأيه فيه . قالوا : ومرّ المسيح بن مريم في الحواريّين بجيفة كلب ، فقال بعضهم : ما أشدّ نتن ريحه ! قال : فهلّا قلت : ما أشدّ بياض أسنانه ! ! قالوا : وقال رجل لكلب : اخسأ ، ويلك ! فقال همّام بن الحارث : الويل لأهل النّار . 365 - [ هراش الحيوان ] والهراش الذي يجري بينها وهو شرّ ، يكون بين جميع الأجناس المتّفقة ،
--> ( 1 ) الحمية : الأنفة . ( 2 ) شغر : رفع رجله فبال .