الجاحظ

335

الحيوان

الحبس ، فنسيت قدر الزّوج الطيّار والفرخين . وما لهما من الثمن ، وما فيهما من الكرم ، ومتّ من رحمة الزّوج المقصوص ، وشغلني الاهتمام بهما عن كثير مما أنا فيه ، فقلت : أمّا الزّوج الطيّار فإنّهما يخرجان ويرجعان ويزقّان ، ولعلّهما أن يسلما ولعلّهما أن يذهبا - وقد كنت ربّيتهما حتى تحصّنا وورّدا « 1 » - فإذا شبّ الفرخان ونهضا مع أبويهما ، وسقطا على المعلاة ، فإمّا أن يثبتا وإمّا أن يذهبا ، ولكن كيف يكون حال المقصوصين ، ومن أسوأ حالا منهما ؟ ! فخلّي سبيلي بعد شهر ، فلم يكن لي همّ إلّا النّظر إلى ما خلّفت خلفي من الحمام ، وإذا الفرخان قد ثبتا وإذا الزّوجان قد ثبتا ، وإذا الزّوجان الطيّاران ثبتا على حالهما ، إلّا أنّي رأيتهما زاقّين ، إذ علامة ذلك في موضع الغبب ، وفي القرطمتين « 2 » ، وفي أصول المناقير ، وفي عيونهما ، فقلت : فكيف يكونان زاقّين مع استغناء فرخيهما عنهما ؟ ! ولا أشكّ في موت المقصوصين . ثمّ دخلت الغرفة فإذا هما على أفضل حال ، فاشتدّ تعجّبي من ذلك ، فلم ألبث أن دنوا إلى أفواه الزّوج الكبار يصنعان كما يصنع الفرخ في طلب الزّقّ ، ورأيتهما حين زقّاهما ، فإذا هما لما اشتدّ جوعهما ، وكانا يريانهما يزقّان الفرخين ويريان الفرخين كيف يستطعمان ويستزقّان ، حملهما الجوع وحبّ العيش ، وتلهّب العطش ، وما في طبعهما من الهداية ، على أن طلبا ما يطلب الفرخ ، فزقّاهما ثم صار الزّقّ عادة في الطيّار ، والاستطعام عادة في المقصوص . 359 - [ من عجائب الحمام ] ومن الحمام حمام يزقّ فراخه ولا يزقّ شيئا من فراخ غيره ، وإن دنا منه مع فراخه فرخ من فراخ غيره ، وشاكل فرخيه في السّنّ واللّون طردهما ولم يزقّهما ، ومن الحمام ما يزقّ كلّ فرخ دنا منه ، كما أنّ من الحمام حماما لا يزقّ فراخه البتّة حتّى يموت . وإنّما تعظم البليّة على الفرخ إذا كان الأب هو الذي لا يزقّ ، لأنّ الولادة وعامّة الحضن والكفل على الأمّ ، فإذا ظهر الولد فعامّة الزّقّ على الأب . كأنه صاحب العيال والكاسب عليهم ، وكالأمّ التي تلد وترضع . 360 - [ كاسر العظام ] وأعجب من هذا ، الطائر الذي يقال له كاسر العظام « 3 » ، فإنّه يبلغ من برّ الفراخ

--> ( 1 ) ورّدت الشجرة : إذا خرج نورها ، واستخدم الجاحظ الكلمة بمعنى اكتملا نموا . ( 2 ) قرطمتا الحمام : نقطتان على أصلي منقاره ، أي أعلاه . ( 3 ) كاسر العظام : طائر من سباع الطير بين النسر والعقاب ، يحمل كل عظم فيه مخ ، حتى إذا كان في كبد السماء أرسله على صخرة فينكسر ، فيهبط فيأكل مخه . انظر معجم الحيوان 143 - 145 .