الجاحظ

327

الحيوان

وقد حمل النّاس كما ترى على العين ما لا يجوز ، وما لا يسوغ في شيء من المجازات . وقول الذي اعورّ : إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني ، من أعظم الحجج في الفاصل من صاحب العين إلى المعين . قال : ويقال إنّ فلانا لعيون : إذا كان يتشوّف للناس ليصيبهم بعين . ويقال عنت فلانا أعينه عينا : إذا أصبته بعين ، ورجل معين ومعيون : إذا أصيب بالعين . وقال عبّاس بن مرداس : [ من الكامل ] قد كان قومك يحسبونك سيّدا * وإخال أنك سيّد معيون « 1 » ويقال للعيون : إنّه لنفوس ، وما أنفسه ، أي ما أشدّ عينه ، وقد أصابته نفس أو عين . 351 - [ دفاع عن الكلب ] وأمّا قول القائل : إنّ من لؤم الكلب وغدره أنّ اللصّ إذا أراد دار أهله أطعم الكلب الذي يحرسهم قبل ذلك مرارا ليلا ونهارا ، ودنا منه ومسح ظهره ، حتى يثبت صورته ، فإذا أتاه ليلا أسلم إليه الدار بما فيها - فإن هذا التأويل لا يكون إلّا من نتيجة سوء الرأي ، فإنّ سوء الرأي يصوّر لأهله الباطل في صورة الحقّ . وفيه بعض الظّلم للكلب وبعض المعاندة للمحتجّ عن الكلب ، وقد ثبت للكلب استحقاق المدح من حيث أراد أن يهجوه منه ، فإن كان الكلب بفرط إلفه وشكره كفّ عن اللصّ عند ذكر إحسانه ، وإثبات صورته ، فما أكثر من يفرط عليه الحياء حتّى ينسب إلى الضّعف والكرم وحتّى ينسب إلى الغفلة ، وربّما شاب الرّجل بعض الفطنة ببعض التّغافل ، ليكون أتمّ لكرمه ، فإنّ الفطنة إذا تمّت منعت من أمور كثيرة ، ما لم يكن الخيم « 2 » كريما والعرق سليما . وإنك أيّها المتأوّل ، حين تكلّف الكلب - مع ما قد عجّل إليه اللصّ من اللّطف والإحسان - أن يتذكّر نعمة سالفة ، وأن يحترس من خديعة المحسن إليه ، مخافة أن يكون يريغ « 3 » بإكرامه سوءا - لحسن الرأي فيه ، بعيد الغاية في تفضيله .

--> ( 1 ) ديوان العباس بن مرداس 156 ، والخصائص 1 / 261 ، والوحشيات 238 ، والحماسة البصرية 1 / 10 ، والأغاني 6 / 342 ، وأمالي ابن الشجري 1 / 111 ، وجمهرة اللغة 956 ، واللسان ( عين ) ، والمقاصد النحوية 4 / 574 . ( 2 ) الخيم : السجية والطبيعة . ( 3 ) يريغ : يريد .