الجاحظ
320
الحيوان
السّرور ، وحنين الإلف . ثمّ لم ألبث أن رأيت الخادم طالعا علينا ، وإنّ الكلب ليلتفّ على ساقيه ، ويرتفع إلى فخذيه ، وينظر في وجهه ، ويصيح صياحا يستبين فيه الفرح . ولقد بلغ من إفراط سروره أنّي ظننت أنّه عرض « 1 » . ثمّ كان بعد ذلك يغيب الشّهرين والثلاثة ، أو يمضي إلى بغداد ثم يرجع إلى العسكر بعد أيّام ، فأعرف بذلك الضّرب من البصبصة « 2 » ، وبذلك النوع من النّباح ، أنّ الخادم قدم . حتّى قلت لبعض من عندي : ينبغي أن يكون فلان قد قدم ، وهو داخل عليكم مع الكلب . وزعم لي أنّه ربّما ألقي لهذا الجرو إلى أن صار كلبا تامّا ، بعض الطعام فيأكل منه ما أكل ، ثم يمضي بالباقي فيخبئه . وربّما ألقي إليه الشيء وهو شبعان فيحتمله ، حتّى يأتي به بعض المخابئ فيضعه هناك ، حتّى إذا جاع رجع إليه فأكله « 3 » . 344 - [ أدب الكلب ] وزعم لي غلماني وغيرهم من أهل الدّرب ، أنّه كان ينبح على كلّ راكب يدخل الدرب إلى عراقيب برذونه ، سائسا كان أو صاحب دابّة إلّا أنّه كان إذا رأى محمد بن عبد الملك داخلا إلى باب الدرب أو خارجا منه ، لم ينبح البتّة ، لا عليه ولا على دابّته ، بل كان لا يقف له على الباب ولا على الطريق ، ولكنّه يدخل الدّهليز سريعا ، فسألت عن ذلك فبلغني أنه كان إذا أقبل صاح به الخادم ، وأهوى له بالضّرب ، فيدخل الدّهليز ، وأنه ما فعل ذلك به إلّا ثلاث مرار ، حتّى صار إذا رأى محمّد بن عبد الملك ، دخل الدّهليز من تلقاء نفسه ، فإذا جاوز وثب على عراقيب دوابّ الشاكريّة « 4 » . ورأيت هذا الخبر عندهم مشهورا . قال : وكنّا إذا تغدّينا دنا من الخوان فزجرناه مرّة أو مرّتين ، فكان لا يقربنا ، لمكان الزّجر ، ولا يبعد عن الخوان لعلّة الطمع ، فإن ألقينا إليه شيئا أكله ثمّ ، ودنا من أجل ذلك بعض الدّنوّ . فكنّا نستظهر عليه ، فنرمي باللّقمة فوق مربضه بأذرع . فإذا أكلها ازداد في الطّمع ، فقرّبه ذلك من الخوان ، ثمّ يجوز موضعه الذي كان فيه . ولولا ما كنا نقصد إليه من امتحان ما عنده ، ليصير ما يظهر لنا حديثا ، لكان إطعام الكلب والسّنّور من الخوان خطأ من وجوه : أوّلها أن يكون يصير له به دربة ، حتّى إنّ منها ما يمدّ يده إلى ما على المائدة حتّى ربما تناول بفيه ما عليها ، وربّما قاء الذي يأكل
--> ( 1 ) عرض : أصابه الجنون . ( 2 ) البصبصة : تحريك الكلب ذنبه . ( 3 ) الخبر في ربيع الأبرار 5 / 421 . ( 4 ) الشاكري : الأجير المستخدم .