الجاحظ

317

الحيوان

يزجم « 1 » ويهرّ ، فلمّا انصرفوا أتى رأس البئر ؛ فما زال يعوي وينبث عنه ويحثو التّراب بيده ويكشف عن رأسه حتى أظهر رأسه ، فتنفّس وردّت إليه الرّوح ؛ وقد كاد يموت ولم يبق منه إلّا حشاشة ، فبينا هو كذلك إذ مرّ ناس فأنكروا مكان الكلب ورأوه كأنّه يحفر عن قبر ، فنظروا فإذا هم بالرّجل في تلك الحال ، فاستشالوه « 2 » فأخرجوه حيّا ، وحملوه حتّى أدّوه إلى أهله ، فزعم أنّ ذلك الموضع يدعى ببئر الكلب . وهو متيامن عن النّجف . وهذا العمل يدل على وفاء طبيعي وإلف غريزي ومحاماة شديدة ، وعلى معرفة وصبر ، وعلى كرم وشكر ، وعلى غناء عجيب ومنفعة تفوق المنافع ، لأنّ ذلك كلّه كان من غير تكلف ولا تصنّع . 336 - [ أسدي يأكل جرو كلب ] وقال مؤمّل بن خاقان ، لأعرابيّ من بني أسد ، وقد أكل جرو كلب : أتأكل لحم الكلب وقد قال الشاعر : [ من الطويل ] إذا أسديّ جاع يوما ببلدة * وكان سمينا كلبه فهو آكله « 3 » أكلّ هذا قرما إلى اللحم ؟ قال : فأنشأ الأسديّ يقول : [ من الطويل ] وصبّا بحظّ اللّيث طعما وشهوة * فسائل أخا الحلفاء إن كنت لا تدري « 4 » 337 - [ حب الأسد للحم الكلب ] قال : وذلك لأنّ الأسد لا يحرص على شيء من اللّحمان حرصه على لحم الكلب . وأمّا العامّة فتزعم أنّ لحوم الشاء أحبّ اللّحمان إليه ، قالوا : ولذلك يطيف الأسد بجنبات القرى ، طلبا لاغترار الكلب ؛ لأنّ وثبة الأسد تعجل الكلب عن القيام وهو رابض ، حتّى ربّما دعاهم ذلك إلى إخراج الكلب من قراهم ؛ إلّا أن يكون بقرب ضياعهم خنازير ، فليس حينئذ شيء أحبّ إليهم من أن تكثر الأسد عندهم . وإنّما

--> ( 1 ) يزجم : يصوّت . ( 2 ) شال : رفع . ( 3 ) البيت للفرزدق في البخلاء 235 ، والمعاني الكبير 254 ، وربيع الأبرار 5 / 415 . ( 4 ) البيت في المعاني الكبير 254 ، وربيع الأبرار 5 / 415 . أخو الحلفاء : الأسد ، لأنه يسكن الحلفاء في الغياض .