الجاحظ
312
الحيوان
وبعض الإناث لا تزال تعرفه وتعطف عليه ، وبعض الإناث تأكل ولدها ، وكذلك بعض الذكورة . وبعض الأجناس يعادي كلّ ما يكسر بيضها أو يأكل أولادها . وجعل يتم بعض الحيوان من قبل أمّهاتها ، وجعل يتم بعضها من قبل آبائها ، وجعل بعضها لا يلتمس الولد وإن أتاه الولد ، وجعل بعضها مستفرغ الهمّ في حبّ الذّرء « 1 » والتماس الولد ؛ وجعل بعضها يزاوج وبعضها لا يزاوج ليكون للمتوكل من الناس جهة في توكّله ، وللمتكسّب جهة في تكسّبه وليحضر على بالهم أسباب البرّ والعقوق ، وأسباب الحظر والتربية ، وأسباب الوحشة من الأرحام الماسّة . 328 - [ افتراق المعاني واختلاف العلل ] ولمكان افتراق المعاني واختلاف العلل ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لبعضهم : « اعقلها وتوكّل » « 2 » . وقال لبلال « أنفق بلال ، ولا تخش من ذي العرش إقلالا » . فافهموا هذا التدبير ، وتعلّموا هذه الحكم ، واعرفوا مداخلها ومخارجها ومفرّقها ومجموعها ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يردّد في كتابه ذكر الاعتبار ، والحثّ على التفكير ، والترغيب في النظر وفي التثبّت والتعرّف والتوقّف ، إلّا وهو يريد أن تكونوا علماء من تلك الجهة ، حكماء من هذه التعبئة « 3 » . 329 - [ المعرفة والاستدلال والتمييز ] ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى ، كما أنّه لولا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الدلالة معنى . لولا تمييز المضارّ من المنافع ، والرديّ من الجيّد بالعيون المجعولة لذلك ، لما جعل اللّه عزّ وجلّ العيون المدركة . والإنسان الحسّاس إذا كانت الأمور المميّزة عنده ، أخذ ما يحتاج إليه وترك ما يستغني عنه وما يضرّ أخذه ، فيأخذ ما يحبّ ويدع ما يكره ، ويشكر على المحبوب ويصبر على المكروه ، حتى يذكر بالمكروه كيفيّة العقاب ويذكر بالمحبوب كيفيّة الثواب ، ويعرف بذلك كيفيّة التضاعيف ، ويكون ما يغمّه رادعا له ، وممتحنا بالصّبر عليه ، وما يسرّه باسطا له وممتحنا بالشكر عليه . وللعقل في خلال ذلك مجال ، وللرأي تقلب ، وتنشقّ
--> ( 1 ) الذرء : النسل . ( 2 ) الجامع الصغير للسيوطي 1191 وفيه أنه حديث ضعيف . ( 3 ) التعبئة : الإعداد والتهيئة .