الجاحظ
264
الحيوان
273 - [ أعراض الكلب ] وقال محمّد بن حفص ، وهو أبو عبيد اللّه بن محمد ، ابن عائشة : عضّ رجلا من بني العنبر كلب كلب فأصابه داء الكلب ، فبال علقا في صورة الكلاب ، فقالت بنت المستنثر « 1 » : [ من الطويل ] أبا لك أدراصا وأولاد زارع * وتلك لعمري نهية المتعجّب « 2 » وحدّثني أبو الصّهباء عن رجال من بني سعد ، منهم عبد الرحمن بن شبيب ، قالوا : عضّ سنجير الكلب الكلب ، فكان يعطش ويطلب الماء بأشدّ الطلب ، فإذا أتوه به صاح عند معاينته : لا ، لا أريد ! وهكذا يصيب صاحب تلك العضّة . وذلك أنّه يعطش عنها أشدّ العطش ويطلب الماء أشدّ الطلب ، فإذا أتوه به هرب منه أشدّ الهرب ، فقال دلم وهو عبد لبني سعد : [ من الطويل ] لقد جئت يا سنجير أجلو ملقة * إباؤك للشيء الذي أنت طالب وهي أبيات لم أحفظ منها إلّا هذا البيت . وذكر مسلمة بن محارب ، وعليّ بن محمّد عن رجاله ، أنّ زيادا كتب دواء الكلب ، وعلّقه على باب المسجد الأعظم « 3 » ، ليعرفه جميع الناس . وأنا ، حفظك اللّه تعالى ، رأيت كلبا مرّة في الحيّ ونحن في الكتّاب ، فعرض له صبيّ يسمّى مهديّا من أولاد القصّابين . وهو قائم يمحو لوحه فعضّ وجهه فنقع ثنيّته دون موضع الجفن من عينه اليسرى ، فخرق اللحم الذي دون العظم إلى شطر خدّه ، فرمى به ملقيّا على وجهه وجانب شدقه ؟ وترك مقلته صحيحة ، وخرج منه من الدّم ما ظننت أنّه لا يعيش معه ، وبقي الغلام مبهوتا قائما لا ينبس ، وأسكته الفزع وبقي طائر القلب ، ثمّ خيط ذلك الموضع ، ورأيته بعد ذلك بشهر وقد عاد إلى الكتّاب ، وليس في وجهه من الشّتر « 4 » إلا موضع الخيط الذي خيط ، فلم ينبح إلى أن برئ ، ولا
--> ( 1 ) في عيون الأخبار : « فقالت امرأته » . ( 2 ) البيت في عيون الأخبار 2 / 80 . النهية : النهاية ، وهي غاية الشيء وآخره . ( 3 ) هو مسجد البصرة : كان مبنيا باللبن ، وهدمه زياد وبناه بالجص ، وسقفه بالساج . انظر ميزان الاعتدال 1 / 355 ، ولسان الميزان 2 / 493 . ( 4 ) الشتر : القطع .