الجاحظ

304

الحيوان

يكن أحد أشقى منه . هذا مع سرور العالم بما وهب اللّه له من السلامة من آفة الشّره ، ومن فساد الأخلاط . وبعد فلا يخلو صاحب الثّروة والصامت الكثير « 1 » ، الخامل الذكر من أن يكون ممّن يرغب في المركب الفاره ، والثوب اللين ، والجارية الحسنة ، والدار الجيّدة ، والمطعم الطيّب ، أو يكون ممن لا يرغب في شيء من ذلك . فإن كان لا يرغب في هذا النوع كلّه ، ولا يعمل في ماله للدّار الآخرة . ولا يعجب بالأحدوثة الحسنة ، ويكون ممن لا تعدو لذّته أن يكون كثير الصامت ، فإنّ هذا حمار أو أفسد طبعا من الحمار ، وأجهل من الحمار ، وقد رضي أن يكون في ماله أسوأ حالا من الوكيل . وبعد فلا بدّ للمال الكثير من الحراسة الشّديدة ، ومن الخوف عليه ، فإن أعمل الحراسة له ، وتعب في حفظه وحسب الخوف ، خرج عليه فضل . فإن هو لم يخف عليه - ولا يكون ذلك في سبيل التوكّل - فهو في طباع الحمار وفي جهله . والذي أوجب له الخمول ليؤدّيه إلى سلامة المال له ، قد أعطاه من الجهل ما لا يكون معه إلّا مثل مقدار لذة البهيمة في أكل الخبط « 2 » . وإن هو ابتاع فرّه الدواب ، وفرّه الخدم والجواري ، واتخذ الدار الجيّدة ، والطعام الطيّب والثّوب الليّن وأشباه ذلك ، فقد دلّ على ماله . ومن كان كذلك ثمّ ظهرت له ضيعة فاشية ، أو تجارة مربحة ، يحتمل مثل ذلك الذي يظهر من نفقته . وإلا فإنّه سيوجد في اللّصوص عند أوّل من يقطع عليه ، أو مكابرة تكون ، أو تعب يؤخذ لأهله المال العظيم . ولو عنى بقوله الخمول وصحة البدن والمال ، فذهب إلى مقدار من المال مقبولا ولكن ما لمن كان ماله لا يجاوز هذا المقدار يتهيّأ الخمول . 312 - [ طبقات الخمول ] ولعمري إنّ الخمول ليكون في طبقات كثيرة ، قال أبو نخيلة : [ من الطويل ] شكرتك إنّ الشّكر حبل من التّقى * وما كلّ من أقرضته نعمة يقضي « 3 » فأحييت من ذكري وما كان خاملا * ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض

--> ( 1 ) الصامت من المال : الذهب والفضة ، والناطق من المال : الإبل . ( 2 ) الخبط : ورق الشجر ؛ يخبط بالعصا فتأكله الدواب . ( 3 ) البيتان لأبي نخيلة في الأغاني 20 / 392 ، وطبقات ابن المعتز 64 ، وعيون الأخبار 3 / 165 ، والفاضل 99 ، وأمالي القالي 1 / 30 ، ونهاية الأرب 3 / 249 .