الجاحظ

292

الحيوان

كفرعون إذ يرمي السّماء بسهمه * فردّ عليه السهم أفوق ناصلي « 1 » فهذا يرمي السماء بجهله ، وهذا ينبح السحاب من جودة فطنته . 296 - [ تعصّب فهد الأحزم للكلب ] وزعم فهد الأحزم أنّ الكلب إنّما عرف مخرج ذلك الشيء المؤذي له حتّى نبحه بالقياس ، لأنّه إنما نبحه بعد أن توالى عليه الأذى من تلك الجهة . وكان فهد يتعصّب للكلب . فقلت له : وكذلك الحمار إذا رفعت عليه السّوط مرّ من تحتك مرّا حثيثا ، فالقياس علّمه أنّ السّوط متى رفع حطّ ، ومتى حطّ أصابه ، ومتى أصابه ألم . فما فضل الكلب في هذا الموضع على الحمار ، والحمار هو الموصوف بالجهل ؟ ! 297 - [ مما قيل في نباح الكلاب ] قال الفرزدق : [ من الطويل ] وقد نبح الكلب السحاب ودونها * مهامه تعشي نظرة المتأمّل « 2 » وقال الآخر : [ من الرجز ] ما لك لا تنبح يا كلب الدّوم * قد كنت نبّاحا فما بال اليوم « 3 » قال : كان هذا رجل ينتظر عيرا له تقدم ، فكان إذا جاءت العير نبح ، فاحتبست عليه العير ، فقال كالمتمنّي وكالمنتظر المستبطئ : ما لك لا تنبح ؟ أي ما للعير لا تأتي . 298 - [ فراسة إياس بن معاوية ] وقال « 4 » : خرج إياس بن معاوية ، فسمع نباح كلب فقال : هذا كلب مشدود . ثم سمع نباحه فقال : قد أرسل . فانتهوا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال . فقال له غيلان أبو مروان : كيف علمت أنّه موثق وأنّه أطلق ؟ قال : كان نباحه وهو موثق يسمع من مكان واحد ، فلما أطلق سمعته يقرب مرّة ويبعد مرة ، ويتصرّف في ذلك . وقالوا « 5 » : مرّ إياس بن معاوية ذات ليلة بماء ، فقال : أسمع صوت كلب غريب .

--> ( 1 ) السهم الأفوق : المكسور الفوق ، وهو موضع الوتر من السهم . ( 2 ) ديوان الفرزدق 2 / 177 ، وأساس البلاغة ( فرس ) . ( 3 ) الرجز بلا نسبة في رسائل الجاحظ 1 / 343 ، ومجمع الأمثال 2 / 288 . ( 4 ) الراوي هو المدائني كما في ثمار القلوب 182 ، وأخبار الأذكياء 69 . ( 5 ) الخبر في ثمار القلوب ( 183 ) ، وأخبار الأذكياء 69 ، وبهجة المجالس 1 / 423 ، والوافي بالوفيات 9 / 466 .