الجاحظ

389

الحيوان

ويصطاد فيتحوّل عن وطنه عشر حجج ، ثمّ هو على ثبات عهده وقوّة عقده ، وعلى حفاظه وإلفه ، والنّزاع إلى وطنه . فإن وجد فرجة ووافق جناحه وافيا وافاه وصار إليه ، وإن كان جناحه مقصوصا جدف « 1 » إلى أهله ، وتكلّف المضيّ إلى سكنه ، فإمّا بلغ وإمّا أعذر . والخطّاف يقطع إليهم من حيث لا يبلغه خبر ، ولا يطؤه صاحب سفر ؛ على أنّا لا نراه يتّخذ وكره إذا صار إليهم إلّا في أحصن موضع ، ولا يحمله الأنس بهم على ترك التّحرّز منهم ، والحزم في ملابستهم ، ولا يحمله الخوف منهم على منع نفسه لذّة السّكون إليهم ، ولا يبخس الارتفاق بهم حظّه . والعصافير لا تقيم في دار إلّا وهي مسكونة ، فإن هجرها الناس لم تقم فيها العصافير . والسّنّور يعرف ربّة المنزل ، ويألف فرخ الحمام ، ويعابث فراريج الدار . إن سرق وربط شهرا عاد عند انفلاته ، وانحلال رباطه . والهرّة تعرف ولدها وإن صار مثلها ، وإن أطعمت شيئا حملته إليه وآثرته به . وربّما ألقي إليها الشيء فتدنو لتأكله ، ويقبل ولدها فتمسك عنه ، وترضّه له . وربّما طرح لها الشيء وولدها غائب عنها - ولها ضروب من النّغم ، وأشكال من الصّياح - فتصيح ضربا من الصّياح يعرف أهل الدّار أنّه صياح الدّعاء لا غير ذلك . ويقال : « أبرّ من هرّة » « 2 » . ومتى أرادت ما يريد صاحب الغائط ، أتت مواضع تراب في زاوية من زوايا الدّار فتبحثه ، حتّى إذا جعلت له مكانا كهيئة الحفرة جعلته فيها ثمّ غطّته من ذلك التّراب ، ثمّ تشمّمت أعلى ذلك التراب وما ظهر منه ، فإن وجدت شيئا من الرائحة زادت عليها ترابا ، فلا تزال كذلك حتّى تعلم أنّها قد أخفت المرئيّ والمشموم جميعا « 3 » . فإن هي لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض ، أو ظهر السّطح ، حتّى تبلغ في الحفر المبلغ ، ومن ستر ذلك المجهود . وزعم ناس من الأطبّاء أن السّنّور يعرف وحده ريح رجعه ، فإنما يستره لمكان شمّ الفأر له ، فإنها تفرّ من تلك الرائحة . أو يغطّيه لما يكون فيه من خلق من أخلاق

--> ( 1 ) جدف الطائر : طار وهو مقصوص ؛ كأنه يرد جناحيه إلى خلفه . « القاموس : جدف » . ( 2 ) مجمع الأمثال 1 / 116 ، والمستقصى 1 / 17 ، وجمهرة الأمثال 1 / 243 ، والدرة الفاخرة 1 / 82 . ( 3 ) انظر ربيع الأبرار 5 / 472 .