الجاحظ

380

الحيوان

ولو أنّ الأحنف بن قيس رأى حاجب بن زرارة ، أو زرارة بن عدس ، أو حصن بن حذيفة ، لقدّمهم على نفسه . وهؤلاء عيون أهل الوبر لا يذكرون بشيء دون شيء لاستواء خصال الخير فيهم . وفي منحول شعر النابغة : [ من الوافر ] فألفيت الأمانة لم تخنها * كذلك كان نوح لا يخون « 1 » وليس لهذا الكلام وجه ، وإنّما ذلك كقولهم كان داود لا يخون ، وكذلك كان موسى لا يخون عليهما السلام . وهم وإن لم يكونوا في حال من الحالات أصحاب خيانة ولا تجوز عليهم ، فإنّ النّاس إنّما يضربون المثل بالشيء النادر من فعل الرجال ومن سائر أمورهم ، كما قالوا : عيسى ابن مريم روح الله ، وموسى كليم الله ، وإبراهيم خليل الرحمن ، صلى الله عليهم وسلم . ولو ذكر ذاكر الصبر على البلاء فقال : كذلك كان أيّوب لا يجزع كان قولا صحيحا . ولو قال : كان كذلك نوح عليه السلام لا يجزع لم تكن الكلمة أعطيت حقّها . ولو ذكر الاحتمال وتجرّع الغيظ فقال : وكذلك كان معاوية لا يسفه ، وكان حاتم لا يفحش ، لكان كلاما مصروفا عن جهته ولو قال : كذلك كان حاتم لا يبخل لكان ذلك كلاما معروفا ولكان القول قد وقع موقعه ، وإن كان حاتم لا يعرف بقلّة الاحتمال وبالتّسرّع إلى المكافأة . ولو قال : سألتك فمنعتني وقد كان الشّعبيّ لا يمنع ، وكان النّخعيّ لا يقول « لا » ، لكان غير محمود في جهة البيان ، وإن كان ممّن يعطي ويختار « نعم » على « لا » . ولكن لمّا لم يكن ذلك هو المشهور من أمرهما لم تصرف الأمثال إليهما ، ولم تضرب بهما . قال جعفر : وكذلك القول في الديك وجماله ؛ لكثرة خصاله ، وتوازن خلاله ، ولأنّ جمال الديك لا يلهج بذكره إلّا البصراء بمقادير الجمال والتوسّط في ذلك ، والاختلاط والقصد ، وما يكون ممزوجا وما يكون خالصا . وحسن الطاوس حسن لا تعرف العوامّ غيره ، فلذلك لهجت بذكره .

--> ( 1 ) ديوان النابغة الذبياني 222 .