الجاحظ

373

الحيوان

تباب ، ويجيء سعد بعدد الحصى ، ويسيل عليك الرّجال من هاهنا وهاهنا ! ! ولئن فعلت لتكوننّ أشأم مولود في بني تميم ! ! فلما رأى أنّه لا يجيبه أخذه باللّين وقال : اخرج يا بنيّ وأنت مستور ، إنّي والله ما أراك تعرفني ، ولو عرفتني لقد قنعت بقولي واطمأننت إليّ ، أنا عروة بن مرثد أبو الأعزّ المرثديّ ، وأنا خال القوم وجلدة ما بين أعينهم لا يعصونني في أمر ، وأنا لك بالذّمة كفيل خفير ، أصيّرك بين شحمة أذني وعاتقي لا تضارّ ، فأخرج فأنت في ذمّتي ، وإلا فإنّ عندي قوصرّتين « 1 » إحداهما إلى ابن أختي البارّ الوصول . فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من الله تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم . وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق ، وإذا سكت وثب يريغ المخرج ، فتهافت الأعرابيّ ، أي تساقط « 2 » ، ثمّ قال : يا ألأم الناس وأوضعهم ، ألا يأني لك أنّا منذ الليلة في واد وأنت في آخر ، إذا قلت لك السّوداء والبيضاء تسكت وتطرق ، فإذا سكتّ عنك تريغ المخرج ؟ ! والله لتخرجنّ بالعفو عنك أو لألجنّ عليك البيت بالعقوبة ! فلما طال وقوفه جاءت جارية من إماء الحيّ فقالت : أعرابيّ مجنون ! ! والله ما أرى في البيت شيئا ! ! ودفعت الباب فخرج الكلب شدّا ، وحاد عنه أبو الأعزّ مستلقيا ، وقال : الحمد لله الذي مسخك كلبا ، وكفاني منك حربا ! ! ثم قال : تالله ما رأيت كاللّيلة ، ما أراه إلّا كلبا ! ! أما والله لو علمت بحاله لو لجت عليه . 440 - [ خصال الديك ] قال صاحب الديك : في الدّيك الشّجاعة ، وفي الديك الصّبر عند اللّقاء ، وهم لا يجدون الصّبر تحت السّياط والعصا ، إلّا أن يكون ذلك موصولا بالصّبر في الحرب على وقع السّلاح . وفي الدّيك الجولان ، وهو ضرب من الرّوغان ، وجنس من تدبير الحرب ، وفيه الثّقافة والتسديد « 3 » ؛ وذلك أنّه يقدّر إيقاع صيصيته « 4 » بعين الديك الآخر ويتقرّب إلى المذبح فلا يخطئ . وهم يتعجّبون من الجزّار ، ويضربون به المثل إذ كان لا يخطئ اللّبّة ، ومن اللحّام إذا كان لا يخطئ المفصل ، ولذلك قالوا في المثل : « يطبّق المحزّ ولا يخطئ

--> ( 1 ) القوصرة : وعاء للتمر . ( 2 ) تساقط : تخاذل . ( 3 ) الثقافة : الحذق . التسديد : صدق الإصابة . ( 4 ) الصيصة : شوكة في رجل الديك .