الجاحظ
371
الحيوان
النّاس خلقا وأوزنهم حلما ، حتّى إذا صار في رأسه رطل كان أخفّ من فراشة « 1 » ، وأكثر نزوا من جرادة رمضة « 2 » ، فإنّ المثل بها يضرب . 435 - [ سبب ما له عرف المعتزلة سكر البهائم ] وكان سبب ما له عرف أصحابنا سكر البهائم . أنّ محمّد بن عليّ بن سليمان الهاشميّ لمّا شرب على علّويه كلب المطبخ ، وعلى الدّهمان ، وعلى شرّاب البصريّين ، وعلى كلّ من نزع إليه من الأقطار ، وتحدّاه من الشّراب الجوادّ من الشّرّاب ، أحبّ أن يشرب على الإبل من البخاتيّ والعراب ، ثمّ على الظّلف من الجواميس والبقر ، ثم على الخيل العتاق والبراذين ، فلمّا فرغ من كلّ عظيم الجثة واسع الجفرة « 3 » . صار إلى الشاء والظّباء ، ثمّ صار إلى النّسور والكلب وإلى ابن عرس ، وحتّى أتاهم حاو فأرغبوه ، فكان يحتال لأفواه الحيّات حتّى يصبّ في حاقّ « 4 » أجوافها بالأقماع المدنيّة ، وبالمساعط ، ويتّخذ لكلّ شيء شكله ، وكان ملكا تواتيه الأمور ، وتطيعه الرجال ، فأبصروا تلك الاختلافات في هذه الأجناس المختلفة . 436 - [ نعت النّظام ] فخبّرني أبو إسحاق إبراهيم النّظام ، وقد كان جالسه حينا - وكان إبراهيم مأمون اللّسان ، قليل الزّلل والزّيغ في باب الصدق والكذب . ولم أزعم أنّه قليل الزّيغ والزّلل على أنّ ذلك قد كان يكون منه وإن كان قليلا ، بل إنّما قلت على مثل قولك : فلان قليل الحياء ، وأنت لست تريد هناك حياء البتة ، وذلك أنّهم ربّما وضعوا القليل في موضع ليس . وإنما كان عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنّه ، وجودة قياسه على العارض والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله . فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي كان قاس عليه أمره على الخلاص ، ولكنّه كان يظنّ ثمّ يقيس عليه وينسى أنّ بدء أمره كان ظنّا فإذا أتقن ذلك وأيقن ، جزم عليه ، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحّة معناه . ولكنّه كان لا يقول سمعت ، ولا رأيت . وكان كلامه إذا خرج مخرج الشّهادة القاطعة لم يشكّ السامع أنّه إنّما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه ، أو عن معاينة قد بهرته .
--> ( 1 ) مجمع الأمثال 1 / 254 ، والمستقصى 1 / 104 ، وجمهرة الأمثال 1 / 428 . ( 2 ) في الأمثال : ( أنزى من جرادة ) والمثل في المستقصى 1 / 309 ، وبرواية : ( أنزى من جراد ) في مجمع الأمثال 2 / 356 ، 392 ، وجمهرة الأمثال 2 / 323 . الرمضة : التي أصابها الرمض ، أي شدة الحر . ( 3 ) الجفرة : جوف الصدر ، ومن الفرس وسطه . ( 4 ) حاق : وسط .