الشيخ حسن أيوب
92
الحديث في علوم القرآن والحديث
شروح الكتب العلمية ، ويستحيل أن تجد مثل هذا في الترجمة ، وإلا كان خروجا عن واجب الأمانة والدقة فيها . ( الفارق الثالث ) : أن الترجمة تتضمن - عرفا - دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده ، وليس كذلك التفسير فإنه قائم على الإيضاح كما قلنا ، سواء أكان هذا الإيضاح بطريق إجمالي أو تفصيلي ، متناولا كافة المعاني والمقاصد ، أو مقتصرا على بعضها دون بعض طوعا للظروف التي يخضع لها المفسّر ومن يفسر لهم ، والدليل على هذا الفارق ، هو حكم العرف العام الذي نتحدث الآن بلسانه ، وإليك مثلا من أمثاله : رجل عثر في مخلفات أبيه على صحيفتين مخطوطتين بلغة أجنبية وهو غير عالم بهذا اللسان الأجنبي ، فدفعهما إلى خبير باللغات يستفسره عنهما ، فيجيبه الخبير قائلا : إن الصحيفة الأولى خطاب تافه من معوز أجنبي ، يستجدي أباك فيه ويستعينه ، أما الثانية فوثيقة بدين كبير لأليك على أجنبي . هنا مزّق الرجل خطاب الاستجداء ولم يحفل به ، أما الوثيقة فاعتد بها وطلب من هذا المتمكن في اللغات أن يترجمها له ليقاضي المدين أمام المحكمة ، لغتها لغة الترجمة . أليس معنى هذا أن التفسير لم يكفه ؟ بدليل أنه طلب الترجمة من المترجم ، علما بأنها هي التي تفي بكل ما تضمنته تلك الوثيقة ، وبكل ما يقصد منها فلا تضعف له بها حجة ، ولا يضيع عليه حق ؟ . ( الفارق الرابع ) : أن الترجمة تتضمن - عرفا - دعوى الاطمئنان إلى أن جميع المعاني والمقاصد التي نقلها المترجم ، هي مدلول كلام الأصل ، وأنها مرادة لصاحب الأصل منه ، وليس كذلك التفسير ، بل المفسر تارة يدعي الاطمئنان ، وذلك إذا توافرت لديه أدلته ، وتارة لا يدعيه ، وذلك عندما تعوزه تلك الأدلة . ثم هو طورا يصرح بالاحتمال ويذكر وجوها محتملة مرجحا بعضها على بعض ، وطورا يسكت عن التصريح أو عن الترجيح ، وقد يبلغ به الأمر أن يعلن عجزه عن فهم كلمة أو جملة ويقول : ربّ الكلام أعلم بمراده ، على نحو ما نحفظه لكثير من المفسرين إذا عرضوا لمتشابهات القرآن ولفواتح السور المعروفة . ودليلنا على أنّ الترجمة تتضمن دعوى الاطمئنان إلى ما حوت من معان ومقاصد ، وهو شهادة العرف العام - أيضا - بذلك ، وجريان عمل الناس جميعا في الترجمات على هذا الاعتبار ، فهم يحلونها محل أصولها إذا شاءوا ، ويستغنون بها عن تلك الأصول ، بل قد ينسون هذه الأصول جملة ، ويغيب عنهم أن الترجمات ترجمات فيحذفون لفظ ترجمة من الاسم ،