الشيخ حسن أيوب
65
الحديث في علوم القرآن والحديث
آداب تلاوته وكيفيتها اعلم أنه ينبغي لمح موقع النعم على من علمه اللّه تعالى القرآن العظيم أو بعضه ، بكونه أعظم المعجزات ، لبقائه ببقاء دعوة الإسلام ، ولكونه صلّى اللّه عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، فالحجة بالقرآن العظيم قائمة على كل عصر وزمان ؛ لأنه كلام رب العالمين ، وأشرف كتبه جل وعلا ، فليعلم من عنده القرآن أن اللّه أنعم عليه نعمة عظيمة ، وليستحضر من أفعاله أن يكون القرآن حجة له لا عليه ؛ لأن القرآن مشتمل على طلب أمور ، والكف عن أمور ، وذكر أخبار قوم قامت عليهم الحجة فصاروا عبرة للمعتبرين حين زاغوا فأزاغ اللّه قلوبهم ، وأهلكوا لما عصوا ، وليحذر من علم حالهم أن يعصي ، فيصير مآله مآلهم ، فإذا استحضر صاحب القرآن علو شأنه بكونه طريقا لكتاب اللّه تعالى ، وأن صدره مصحف له ، امتنعت نفسه الموفقة عن الرذائل ، وأقبلت على العمل الصالح الهائل . وأكبر معين على ذلك حسن ترتيله وتلاوته ، قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ سورة المزمل آية : 4 ] . وقال تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [ سورة الإسراء آية : 106 ] . فحق على كل امرئ مسلم قرأ القرآن أن يرتله ، وكمال ترتيله تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه ، والإفصاح لجميعه بالتدبر حتى ينتفع بكل ما يقرأ ، وأن يسكت بين النّفس والنفس حتى يرجع إليه نفسه ، وألا يدغم حرفا في حرف ؛ لأن أقل ما في ذلك أن يسقط من حسناته بعضها ، وينبغي للناس أن يرغبوا في تكثير حسناتهم ؛ فهذا الذي وصفت أقل ما يجب من الترتيل . وقيل : أقل الترتيل أن يأتي بما يبين ما يقرؤه ، وإن كان مستعجلا في قراءته ، وأكمله أن يتوقف فيها ، ما لم يخرجه إلى التمديد والتمطيط ؛ فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله ، فإن كان يقرأ تهديدا لفظ به لفظ المتهدد ، وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم . وينبغي أن يشتغل قلبه في التفكر في معنى ما يلفظ بلسانه ، فيعرف من كل آية معناها ، ولا يجاوزها إلى غيرها حتى يعرف معناها ، فإذا مر بآية رحمة وقف عندها وفرح بما وعده اللّه تعالى منها ، واستبشر إلى ذلك ، وسأل اللّه برحمته الجنة . وإن قرأ آية عذاب وقف عندها ، وتأمل معناها ؛ فإن كانت في الكافرين اعترف بالإيمان ، فقال : آمنا باللّه وحده ، وعرف موضع التخويف ، ثم سأل اللّه تعالى أن يعيذه من النار . وإن هو مر بآية فيها نداء للذين آمنوا فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقف عندها -