الشيخ حسن أيوب
45
الحديث في علوم القرآن والحديث
أَشْهُرٍ [ سورة الطلاق آية : 4 ] . فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى قال الظاهرية : بأن الآيسة لا عدة عليها ، إذا لم ترتب ( أي تشك ) وقد بيّن ذلك سبب النزول ، وهو أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء قالوا : قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن : الصغار والكبار فنزلت » . أخرجه الحاكم بن أبي ، فعلم بذلك أنّ الآية خطاب لمن لم يعلم حكمهن في العدة ، وارتاب هل عليهن عدة أو لا ؟ وهل عدتهن كاللاتي في سورة البقرة أو لا ؟ فمعنى إِنِ ارْتَبْتُمْ : إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن . ومن ذلك قوله تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ سورة البقرة آية : 115 ] فإنا لو تركنا ومدلول اللفظ ، لا قتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع ، فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ على اختلاف الروايات في ذلك . ( ومنها ) دفع توهم الحصر ، قال الشافعي - ما معناه - في قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [ سورة الأنعام آية : 145 ] : إن الكفّار لمّا حرّموا ما أحلّ اللّه ، وأحلّوا ما حرم اللّه ، وكانوا على المضادّة والمحادّة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنه قال : لا حلال إلا ما حرّمتموه ، ولا حرام إلا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل اليوم حلاوة فتقول : لا آكل اليوم إلا حلاوة ، والغرض المضادّة لا النفي والإثبات على الحقيقة فكأنه تعالى قال : لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ، ولم يقصد حل ما وراءه ، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل ، قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية . المسألة الثانية : اختلف أهل الأصول : هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب ؟ والأصح عندنا الأول ، وقد نزلت آيات في أسباب واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر ، وآية اللعان في شأن هلال بن أمية ، وحدّ القذف في رماة عائشة ثم تعدّى إلى غيرهم ، ومن لم يعتبر عموم اللفظ قال : خرجت هذه الآية ونحوها لدليل آخر كما قصرت آيات على أسبابها اتفاقا لدليل قام على ذلك . قال الزمخشري « في سورة الهمزة » : يجوز أن يكون السبب خاصّا ، والوعيد عامّا ليتناول كل من باشر ذلك القبيح ، وليكون ذلك جاريا مجرى التعريض . قلت : ومن الأدلة على اعتبار عموم اللفظ احتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع