الشيخ حسن أيوب
206
الحديث في علوم القرآن والحديث
ومنها : ما يعرف بالتاريخ . ومنها : ما يعرف بالإجماع ، كقتل شارب الخمر في المرة الرابعة ؛ فإنه منسوخ عرف نسخه بالإجماع . والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لكن يدل على وجود ناسخ . وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر ؛ فلا بد من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما ، وإنما يقوم بذلك غالبا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه ، والأصوليون المتمكنون في ذلك ، الغائصون على المعاني الدقيقة ، الرائضون أنفسهم في ذلك ، فمن كان بهذه الصفة ؛ لم يشكل عليه شيء من ذلك ، إلا النادر في بعض الأحيان . ثم المختلف قسمان : أحدهما : يمكن الجمع بينهما فيتعين ، ويجب العمل بالحديثين جميعا ، ومهما أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة ، تعين المصير إليه ، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع ؛ لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به . ومثال الجمع : « لا عدوى » مع حديث : « لا يورد ممرض على مصحّ » وجه الجمع : أن الأمراض لا تتعدى بطبعها ، ولكن جعل اللّه سبحانه وتعالى مخالطتها سببا للإعداء ، فنفى في الحديث الأول ما يعتقده الجاهلية من العدوي بطبعها ، وأرشد في الثاني إلى مجانبة ما يحصل عنده الضرر عادة بقضاء اللّه وقدره وفعله . القسم الثاني : أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بوجه ، فإن علمنا أحدهما ناسخا قدمناه وإلا عملنا بالراجح منهما ، كالترجيح بكثرة الرواة وصفاتهم وسائر وجوه الترجيح ، وهي نحو خمسين وجها ، جمعها الحافظ أبو بكر الحازمي في أول كتابه « الناسخ والمنسوخ » . معرفة صفة من تقبل روايته ومن تردّ روايته أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه ، وتفصيله أن يكون مسلما ، بالغا ، عاقلا ، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة ، متيقظا غير مغفل ، حافظا إن حدث من حفظه ، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه ، وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يغير المعاني ، وقد سبق الكلام في شروط قبول رواية الراوي بما لا مزيد عليه ، ولكن توجد أمور لا بد من الكلام فيها لتكتمل الصورة ، وهي ما نبينه فيما يأتي :