الشيخ حسن أيوب

151

الحديث في علوم القرآن والحديث

له الدليل والبرهان ، كأن رأيهم ومذهبهم هو المقياس والميزان ، أو كأنه الكتاب والسنة والإسلام ، وهكذا استزلهم الشيطان وأعماهم الغرور . ولقد نجم عن هذه الغلطة الشنيعة أن تفرق كثير من المسلمين شيعا وأحزابا ، وكانوا حربا على بعضهم وأعداء ، وغاب عنهم أن الكتاب والسنة والإسلام أوسع من مذاهبهم وآرائهم ، وأن مذاهبهم وآراءهم أضيق من الكتاب والسنة والإسلام ، وأن في ميدان الحنيفية السمحة متسعا لحرية الأفكار ، واختلاف الأنظار ، ما دام الجميع معتصما بحبل اللّه . ثم غاب عنهم أن اللّه تعالى يقول : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ سورة آل عمران آية : 103 ] . ويقول جل ذكره : إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [ سورة الأنعام آية : 159 ] . ويقول تقدست أسماؤه : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ سورة آل عمران آية : 105 ، 106 ] . لمثل هذا أربأ بنفسي وبك أن تتهم مسلما بالكفر أو البدعة والهوى لمجرد أنه خالفنا في رأي إسلامي نظري ، فإن الترامي بالكفر والبدعة من أشنع الأمور . ولقد قرر علماؤنا أن الكلمة إذا احتملت الكفر من تسعة وتسعين وجها ثم احتملت الإيمان من وجه واحد ، حملت على أحسن المحامل وهو الإيمان ، وهذا موضوع مفروغ منه ومن التدليل عليه ، لكن يفت في عضدنا غفلة كثير من إخواننا المسلمين عن هذا الأدب الإسلامي العظيم ، الذي يحفظ الوحدة ، ويحمي الأخوة ، ويظهر الإسلام بصورته الحسنة ووجهه الجميل من السماحة واليسر ، واتساعه لجميع الاختلافات الفكرية والمنازع المذهبية ، والمصالح البشرية ، ما دامت معتصمة بالكتاب والسنة على وجه من الوجوه الصحيحة التي يحتملها النظر السديد والتأويل الرشيد . ولقد حدث مثل هذا الاختلاف على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بين أصحابه ، فما تنازعوا من أجله ، بل أخذ كل برأيه وهو يحترم الآخر ورأيه ، وأقرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على ذلك ، ولم يعب أحدا منهم ، على رغم أنه ترتب على بعض هذه الاختلافات أن ترك بعضهم الصلاة في وقتها اجتهادا منه ، إذ قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لفئة من أصحابه : « لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة » فسافروا وجدّوا ، ولكن الغزالة تدلت للغروب وهم لا يزالون ضاربين في الأرض ، ولمّا يصلّوا . هنالك اجتهدوا ، فمنهم من وقف عند ظاهر النص