الشيخ حسن أيوب
134
الحديث في علوم القرآن والحديث
الأوربية ، وكانت النواة الناجحة في نهضتهم الحديثة الحاضرة ( تلك هي فردوس الأندلس المفقود ) ! ! أما غالب مسلمة اليوم ، فقد اكتفوا من القرآن بألفاظ يرددونها ، وأنغام يلحنونها ، في المآتم والمقابر والدور ، وبمصاحف يحملونها أو يودعونها بركة في البيوت ، ونسوا أن بركة القرآن العظمي إنما هي في تدبره وتفهمه ، وفي الجلوس إليه ، والاستفادة من هديه وآدابه ، ثم في الوقوف عند أوامره ومراضيه ، والبعد عن مساخطه ونواهيه ، واللّه - تعالى - يقول : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ سورة ص : 29 ] ، ويقول جل ذكره : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ سورة محمد : 24 ] ، ويقول سبحانه : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ سورة القمر آية : 17 ] . فما أشبه المسلمين اليوم بالعطشان يموت من الظمأ والماء بين يديه ، وبالمريض يفتك به المرض ودواؤه أمام عينيه ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه ! ! ألا إن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها ، وهو أن يعودوا إلى كتاب اللّه يستلهمونه الرشد ، ويستمنحونه الهدى ، ويحكمونه في نفوسهم وفي كل ما يتصل بهم ، كما كان آباؤنا الأولون يتلونه حق تلاوته بتدبر وتفكر ، حتى ظهرت آثاره الباهرة عاجلة فيهم ، فرفع نفوسهم وانتشلها من حضيض الوثنية ، وأعلى هممهم وهذب أخلاقهم ، وأرشدهم إلى الانتفاع بقوى الكون ومنافعه ، وكان من وراء ذلك أن مهروا في العلوم والفنون والصناعات ، كما مهروا في الأخلاق والآداب والإصلاح والإرشاد ، ووصلوا إلى غاية بزّوا فيها كل أمم الدنيا ، حتى قال بعض فلاسفة الغرب في كتابه ( تطور الأمم ) ما نصه : « إن ملكة الفنون لا تستحكم في أمة من الأمم إلا في ثلاثة أجيال : جيل التقليد ، وجيل الخضرمة ، وجيل الاستقلال ، وشذّ العرب وحدهم فاستحكمت فيهم ملكة الفنون في جيل واحد » . اه . قال السيوطي في بيان الحاجة إلى التفسير ما ملخصه : « القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب ، فكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه » . أما دقائق باطنه فلا تظهر لهم إلا بعد البحث والنظر وسؤالهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم مثل قولهم : « وأيّنا لم يظلم نفسه . . ؟ ! » حينما نزل قوله - تعالى - : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [ سورة الأنعام : 82 ] ، ففسره النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالشرك ، واستدل بقوله - سبحانه - : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ سورة لقمان آية : 13 ] . وكذلك حين قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من نوقش الحساب عذّب » سألته عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها عن قوله تعالى : فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً [ سورة الانشقاق آية : 8 ، 9 ] ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ذلك العرض » ، وكقصة عدي بن حاتم في