الشيخ حسن أيوب
127
الحديث في علوم القرآن والحديث
1 - مقام الجواز : القائلون بالجواز هم : مالك ، وأصحاب أبي حنيفة ، وجمهور المتكلمين من الأشاعرة ، والمعتزلة . وحجتهم أن نسخ القرآن بالسنة ليس مستحيلا لذاته ولا لغيره . أما الأول فظاهر ، وأما الثاني : فلأن السنة وحي من اللّه كما أن القرآن كذلك ، لقوله تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ سورة النجم آية : 3 ، 4 ] ، ولا فارق بينهما إلا ألفاظ القرآن من ترتيب اللّه وإنشائه ، وألفاظ السنة من ترتيب الرسول وإنشائه . والقرآن له خصائصه ، وللسنة خصائصها ، وهذه الفوارق لا أثر لها فيما نحن بسبيله ، ما دام اللّه هو الذي ينسخ وحيه بوحيه ، وحيث لا أثر لها ، فنسخ أحد هذين الوحيين بالآخر ، لا مانع يمنعه عقلا ، كما أنه لا مانع يمنعه شرعا - أيضا ، فتعين جوازه عقلا وشرعا . هذه حجة المجيزين . أما المانعون - وهم : الشافعي ، وأحمد في إحدى روايتين عنه ، وأكثر أهل الظاهر ؛ فيستدلون على المنع بأدلة قد ذكرها صاحب المناهل ورد عليها ، ولم نذكرها ها هنا خوفا من الإطالة فيما لا أهمية كبيرة لذكرها . شبهتان ودفعهما 1 - لقائل أن يقول : إن من السنة ما يكون ثمرة لاجتهاده صلّى اللّه عليه وسلم ، وهذا ليس وحيا أوحي إليه به ، بدليل العتاب الذي وجهه القرآن إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في لطف تارة ، وفي عنف أخرى . فكيف يستقيم بعد هذا أن نقول : أن السنة وحي من اللّه ؟ . والجواب : أن مرادنا هنا بالسنة : ما كانت عن وحي جليّ أو خفيّ ، أما السنة الاجتهادية ؛ فليست مرادة هنا البتة ؛ لأن الاجتهاد لا يكون إلا عند عدم النص ، فكيف يعارضه ويرفعه ؟ وقد شرحنا أنواع السنة في كتابنا « المنهل الحديث في علوم الحديث » فارجع إليه إن شئت . 2 - ولقائل أن يقول : إن من السنة ما كان آحاديّا ، وخبر الواحد مهما صح فإنه لا يفيد القطع ، والقرآن قطعي المتن ، فكيف ينسخ بالسنة التي لا تفيد القطع ؟ ومتى استطاع الظن أن يرفع اليقين ؟ . والجواب : أن المراد بالسنة هنا : السنة المتواترة دون الآحادية . والسنة المتواترة قطعية الثبوت - أيضا - كالقرآن . فهما متكافئان من هذه الناحية ، فلا مانع أن ينسخ أحدهما الآخر . أما خبر الواحد ؛ فالحق عدم جواز نسخ القرآن به للمعنى المذكور ، وهو أنه ظني والقرآن قطعي ، والظني أضعف من القطعي فلا يقوى على رفعه .