الشيخ حسن أيوب
119
الحديث في علوم القرآن والحديث
أما قول الصحابي : هذا ناسخ وذاك منسوخ ، فلا ينهض دليلا على النسخ ، لجواز أن يكون الصحابي صادرا في ذلك عن اجتهاد أخطأ فيه فلم يصب فيه عين السابق ولا عين اللاحق خلافا لابن الحصّار ، وكذلك لا يعتمد في معرفة الناسخ والمنسوخ على المسالك الآتية : 1 - اجتهاد المجتهد من غير سند ؛ لأن اجتهاده ليس بحجة . 2 - قول المفسر : هذا ناسخ أو منسوخ من غير دليل ؛ لأن كلامه ليس بدليل . 3 - ثبوت أحد النصين قبل الآخر في المصحف ؛ لأن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول . 4 - أن يكون أحد الروايين من أحداث الصحابة دون الراوي للنص الآخر ، فلا يحكم بتأخر حديث الصغير عن حديث الكبير ؛ لجواز أن يكون الصغير قد روى المنسوخ عمن تقدمت صحبته ، ولجواز أن يسمع الكبير الناسخ من الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن يسمع الصغير منه المنسوخ ، إما إحالة على زمن مضى ، وإمّا لتأخر تشريع الناسخ والمنسوخ كليهما . 5 - أن يكون أحد الراويين أسلم قبل الآخر ، فلا يحكم بأن ما رواه سابق الإسلام منسوخ وما رواه المتأخر عنه ناسخ ، لجواز أن يكون الواقع عكس ذلك . 6 - أن يكون أحد الراويين قد انقطعت صحبته لجواز أن يكون حديث من بقيت صحبته سابقا حديث من انقطعت صحبته . 7 - أن يكون أحد النصين موافقا للبراءة الأصلية دون الآخر ، فربما يتوهم أن الموافق لها هو السابق ، والمتأخر عنها هو اللاحق ، مع أن ذلك غير لازم ؛ لأنه لا مانع من تقدم ما خالف البراءة الأصلية على ما وافقها ، مثال ذلك : قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لا وضوء مما مست النار » فإنه لا يلزم أن يكون سابقا على الخبر الوارد بإيجاب الوضوء مما مست النار ، ولا يخلو وقوع هذا من حكمة عظيمة هي تخفيف اللّه عن عباده بعد أن ابتلاهم بالتشديد . قانون التعارض : وعلى ذكر التعارض في هذا الباب ، نبين لك أن النصين المتعارضين إما أن يتفقا في أنهما قطعيان أو ظنيان ، وإما أن يختلفا فيكون أحدهما قطعيّا والآخر ظنيّا . أما المختلفان فلا نسخ بينهما ، لأن القطعي أقوى من الظني ، فيؤخذ به ، وما كان اليقين ليترك بالظن . وأما المتفقان : فإن علم تأخر أحدهما بطريق من تلك الطرق الثلاث المعتمدة ؛ فهو الناسخ والآخر المنسوخ ، وإن لم يدل عليه واحد منهما ؛ وجب التوقف . وقيل : يتخير الناظر بين العمل بهما .