عبد السلام مقبل المجيدي

89

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

تتام قبضه على القلب ، وسيطرته عليه ، فهو مهيمن على القلب في لفظه ، لا يستطيع القلب أن يفلت منه مثقال ذرة ، وفيه : الإشعار بأن ألفاظه مفروضة على القلب فرضا ، فلا مجال لزيغ حروفها عنه ، ولا لتحريف هيئتها ، مع حب قلب الرسول صلى اللّه عليه وسلم لها كما سيأتي « 1 » ، ولم تبق فيه ذرة تتأثر إلا به ، ولا تحتفل إلا له ، فهو خلي عن غيره ، وفي هذا تمام الحفظ والفهم والاهتمام ، ولذا قال الصاوي - رحمه اللّه تعالى - : " عبر ب عَلى لتمكنه ، وانصبابه ، ورسوخه ؛ فإن الشيء إذا صب من أعلى لأسفل رسخ وثبت " « 2 » . وثانيها : أن على مؤكدة للإنزال من أعلى إلى أدنى : كما قال تعالى في آل عمران قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا . . . " آل عمران / 84 " فالخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم موجه ، والمنزل إنما هو منزل عليه من السماء إلى حيث هو ، بخلاف آية البقرة قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا . . . " البقرة / 136 " فإن الخطاب لصحابته ، ثم لأمته - من بعد - والإنزال إنما يكون إليهم ؛ إذ يتضمن حرف إلى معنى المجاورة ، ويجعل فعله يتضمن معنى الإيصال ، فليس ثم أعلى ولا أدنى ، كأنهم قالوا : آمنا باللّه وما أنزل على رسوله مما وصل إلينا . . . لأنه إنما وصل إليهم من محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو بجوارهم لا فوقهم ، ولكن لارتباطه بأنزل أفاد أمرا آخر - لاقتضاء الإنزال أعلى وأدنى - هو أن الوحي أنزل على غير المخاطبين ثم وصل إليهم . . . فقد تضمن الفعل : أنزل ، والحرف إلى ذلك ببلاغة بديعة ، وإعجاز عظيم . . . ومن أسراره أنهم جعلوا - بهذا التعبير - ما أنزل على الرسول صلى اللّه عليه وسلم هو ذاته ما وصل إليهم دون ريب . . . ومعلوم أن التضمين عند العلماء مقدّم على تبادل الحروف « 3 » . وثالثها : أنه قال على ولم يقل ( في ) لئلا يتوهم أن جبريل عليه السلام ألقى القرآن في قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم دون سماع ، وسيأتي مزيد تفصيل له - إن شاء اللّه تعالى - « 4 » .

--> ( 1 ) انظر : حديث المعالجة في المبحث السادس من هذا الفصل . ( 2 ) حاشية الصاوي 1 / 72 ، مرجع سابق . ( 3 ) ( ابن تيمية ) أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ت 728 ه ، شيخ الإسلام : مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية 13 / 330 ، جمع وترتيب : عبد الرحمن بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي ، 1421 - 1991 م ، دار عالم الكتب الرياض . ( 4 ) انظر : المبحث السابع من هذا الفصل .