عبد السلام مقبل المجيدي
78
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
بالمركز العقلي المتحكم المسمى بالفؤاد . . . ؟ قد يكون الأمر كذلك ؛ إذ لو كانت رؤيا جارحة لرآها كل من له الجارحة ذاتها ممن يكون موجودا مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم في مكان تلقي الوحي ، وقد يقال باختلاف جارحة النبي صلى اللّه عليه وسلم عن جارحة غيره ، ولذا تمت تهيئته صلى اللّه عليه وسلم لتلقي الوحي القرآني كما سبق في الفصل الثاني ، ويقرّب هذا : أننا نعلم أن الحيوانات تشترك في جارحة السمع والبصر مع تفاوتها في دقتهما ، ومدى تركيزهما . . . ولكن ذكر الفؤاد « 1 » يجعل الاحتمال الأول أرجح وأوقع ، وإن كلن التفصيل غير مجزوم به ؛ إذ قد يكون الاتصال بالمراكز الأساسية للسمع والبصر ، والوعي في الفؤاد دون المرور بالمراكز التي في المخ ، وقد يكون الأمر بصورة تفصيلية غير ذلك ، ولكن لا شك أن الواقع العلمي الذي نعيشه اليوم قد قرب تصور هذه العملية كثيرا ، وما ظهر يقرّب فهم ما لم يظهر وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ " ص / 88 " . . . ويزيد هذا الاحتمال رجحانا ما تم من إعداد خاص لفؤاد النبي صلى اللّه عليه وسلم كما سبق التكلم عن ذلك في أول الفصل الثاني . فإن اعترض بالقول : إذا كان جبريل عليه السلام عند نزوله على قلب النبي لتلقينه الوحي القرآني على مسافة قاب قوسين أو أدنى - أفما كان يقرب من النبي صلى اللّه عليه وسلم أكثر من ذلك ، أو ينأى عنه أكثر ؟ فالجواب : إما أن يكون هذا تصويرا للحالة الغيبية غير المشاهدة لغير الرسول صلى اللّه عليه وسلم لنزول الملك عليه بالوحي ، وهي أشدها عليه ، فتكون في غاية
--> ( 1 ) ويزيد الأمر جلاء ظهور الفرق بين ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى " النجم / 11 " ، و ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى " النجم / 17 " إذ الأولى لرؤية النبي صلى اللّه عليه وسلم لجبريل عليه السلام عند نزوله بالوحي عليه بصفة دائمة ، والثانية لرؤيته له عيانا في خلقته الأصلية في المرة الثانية من المرتين اللتين شاهد فيهما الرسول صلى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السلام في خلقته الأصلية . . . هذا إن جعلت كلمة البصر واردة في معناها الحقيقي المباشر وهو الجارحة المعروفة ، وهو الظاهر ، كما أنه الذي يدل عليه السياق . . . ويحتمل أن يكون المراد مركز البصر في الدماغ أو الفؤاد . . . وعلى كلا الاحتمالين فإن ذكر الفؤاد في الآية الأولى مع علمنا أنه لم يكن الصحابة يشاهدون جبريل عليه السلام إن جاء في الصورة الشديدة للوحي . . . يؤكد أن الاتصال كان بالمركز الأصلي المباشر للإدراك عند النبي صلى اللّه عليه وسلم . . . والأمر - بعد - بحاجة لمزيد تفصيل . . . لعله يكون في طبعات قادمة - إن شاء اللّه تعالى - .