عبد السلام مقبل المجيدي
61
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
المبحث الثاني : إمكانية الاتصال المطلق بين جبريل عليه السلام والنبي صلى اللّه عليه وسلم : يدرس هذا المبحث مسألة الإطلاق في اتصال جبريل عليه السلام بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ، زمانا ومكانا ، فلا يحول دون لقائه به حائل ، وذلك حتى تطمئن قلوب المؤمنين بدقة تلقي النبي صلى اللّه عليه وسلم ألفاظ القرآن الكريم ؛ إذ إن إمكانية الاتصال المطلق من أهم سمات اتصال جبريل عليه السلام به ، ولقائه له ، ومن سمات هذا الإطلاق : 1 - الالتقاء الخفي ، والكلام الخفي : فلا ضير في وجود بشر من حوله ، أو عدم وجودهم لخفاء اتصاله ، حيث كان مجيء جبريل عليه السلام دون أن يشعر به الناس ، وحديثه مع النبي صلى اللّه عليه وسلم أمامهم ، ولا يسمعونه ، ليدل بذلك على إمكانية الاتصال به في أي وقت دون عائق تثيره بشرية الرسول صلى اللّه عليه وسلم أو غيره ؛ إذ الاتصال به أمر خارج عن نطاق البشر ، وكان هذا من أسباب التهيئة الإلهية للنبي صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم « 1 » ، ومما يدل على ذلك ما في حديث ابن عباس رضى اللّه عنه قال : كنت مع أبي عند النبي صلى اللّه عليه وسلم وعنده رجل يناجيه ، وفي لفظ : وهو كالمعرض عن العباس رضى اللّه عنه فخرجنا من عنده ، فقال : ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني ؟ ، فقلت : إنه كان عنده رجل يناجيه ، وفي لفظ : فقال : أو كان عنده أحد ؟ قلت : نعم ! قال : فرجع إليه ، فقال : يا رسول اللّه ! هل كان عندك أحد ؟ ؛ فإن عبد اللّه أخبرني أن عندك رجلا تناجيه . قال : ( هل رأيته يا عبد اللّه ؟ ) قال : نعم ! قال : ( ذاك جبريل ، وهو الذي شغلني عنك ) « 2 » ، وكما في حديث عائشة - رضي اللّه تعالى عنها - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لها : ( يا
--> ( 1 ) انظر : المبحث السابق من هذا الفصل - المطلب الأول . ( 2 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 / 293 ، مرجع سابق ، وإنما لا يرى جبريل عليه السلام لأنه الروح ، والروح : قال في النهاية : " ومنه الحديث الملائكة الرّوحانيّون ، يروي بضم الراء وفتحها ، كأنه نسبة إلى الرّوح ، أو الرّوح وهو نسيم الرّيح ، والألف والنون من زيادات النّسب ، ويريد به أنهم أجسام لطيفة لا يدركها البصر ، ومنه : حديث ضماد : " إني أعالج من هذه الأرواح : الأرواح هاهنا كناية عن الجنّ ، سمّوا أرواحا لكونهم لا يرون فهم بمنزلة الأرواح " .