عبد السلام مقبل المجيدي

39

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

وقد لا يكون الوحي أمرا إليها لأحد من المخلوقين ، بل هو حديث بين الجبار جل جلاله وبين جبريل عليه السلام ، فعن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : ( لما خلق اللّه الجنة ، قال لجبريل : اذهب ، فانظر إليها . فذهب ، فنظر إليها ، ثم جاء ، فقال : أي رب ، وعزتك ، لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، ثم حفها بالمكاره ، ثم قال : يا جبريل اذهب ، فانظر إليها . فذهب ، فنظر إليها ، ثم جاء ، فقال : أي رب ، وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد . - قال - فلما خلق اللّه النار ، قال : يا جبريل اذهب ، فانظر إليها . فذهب ، فنظر إليها ، ثم جاء . فقال : أي رب ، وعزتك لا يسمع بها أحد فيد خلها ، فحفها بالشهوات ، ثم قال : يا جبريل اذهب ، فانظر إليها . فذهب ، فنظر إليها ، ثم جاء ، فقال : أي رب وعزتك ، لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها ) « 1 » . وقد أريد من التفصيل السالف أن تبيّن مكانة جبريل عليه السلام من الملك جل وعز ، ويربط بين ذلك وبين قوله تعالى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى " النجم / 5 " ، فيستبين جلالة تعليم لفظ القرآن ، وأنه ليس مجرد لفظ يرمى من فم لفم ، بل لو ادعى مدع أن تلقي النبي صلى اللّه عليه وسلم للفظ القرآن من جبريل عليه السلام اعتراه من التوقيف ، ومنع الاجتهاد أكثر مما اعترى معناه لما بعد عن إصابة سهم فكره لعين الحقيقة ، وذلك واضح من حيث أن عتاب اللّه عزّ وجل لنبيه في القرآن الكريم إنما هو لصواب في أمر غير ما ذهب إليه في فهم معنى معين ، بخلاف اللفظ ، فليس له فيه إلا ما لقّنه ، وقد حاول الاجتهاد في هيئة التلقي فمنع من ذلك « 2 » . وما سبق من أدلة توصلنا إلى نتيجة على قدر جليل من الأهمية هي : أن جبريل عليه السلام هو الوسيط بين اللّه سبحانه وتعالى وأنبيائه ، وهو المبحث التالي :

--> ( 1 ) صحيح ابن حبان 16 / 406 ، مرجع سابق ، والمستدرك 1 / 79 ، مرجع سابق . ( 2 ) انظر : حديث المعاجلة : الفصل الثالث - المبحث السادس .