عبد السلام مقبل المجيدي
287
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
البخيل إنما يبخل بما عنده نظير ما يزعمه مصلحة له إلى وقت الحاجة ، فلو كان النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يصرّح لهم بجميع الوحي بقصد المصلحة ، فيتأول تأخير بعض الوحي لعدم حلول وقته كالبخيل ، ومما يمكن التمثيل به : ما فيه تبكيت لهم ، أو توبيخ له مما قد يشينه في قلوبهم ( كما في سورة عبس ) . . . ، فقد يقال : للمعرفة بأن المصلحة الدعوية تقتضي كتم هذه الآيات خوف الفتنة - كما يطرأ على تفكير بعض الدعاة - فسيكتمها لذلك بفعل عاطفته البشرية . . . ، ولكن اللّه جلّ جلاله نفى عنه هذه العاطفة القاصرة . . . فلا يبخل بالوحي لأجل المصلحة الظاهرة ، فكيف لو عدمت ؟ . سواء كان هذا تتابعا في وصف جبريل عليه السلام أو كان وصفا للرسول الجليل صلى اللّه عليه وسلم . . . ويؤيد ما قرّر هاهنا : أن فعل البخل لا يتعدى بعلى إلا على تضمينه معنى الحرص ونحوه « 1 » ، ولذا قال ابن زيد في هذه الآية : " الغيب القرآن الذي لم يضمن به على أحد من الناس . . . أداه وبلغه ، بعث اللّه به الروح الأمين جبريل عليه السلام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأدى جبريل عليه السلام ما استودعه اللّه عزّ وجل إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم وأدى محمد صلى اللّه عليه وسلم ما استودعه اللّه سبحانه وتعالى وجبريل عليه السلام إلى العباد ليس أحد منهم ضنّ ، ولا كتم ، ولا تخرص " « 2 » . والقراءة الثانية : بظنين بالظاء المشالة معناها : ما هو على الغيب بمتهم ، تأكيدا لقوله أَمِينٍ ، والتهمة مطلقة ، ونفيها مطلق ، فتشمل ما قيل في معنى الظنة به : تقصيرا ، أو ضعف قوة على التبليغ « 3 » ، فكل ذلك منتف عنه . والصفة الثانية المنفية بقراءة الظاء هي التجرؤ : حيث يظهر تضمين بظنين " بالظاء المشالة " معنى المتجرئ عند عدم الرضا بالقرآن المنزل ، بقرينة قيام عَلَى مقام
--> ( 1 ) وهو ما قال به الآلوسي - رحمه اللّه تعالى - ، انظر : روح المعاني 30 / 107 ، مرجع سابق ، ومثله قرر صاحب التحرير والتنوير 30 / 162 ، مرجع سابق ، في إحدى المعاني التي وجه بها الآية . ( 2 ) فيما خرجه ابن جرير في تفسيره عنه 30 / 82 ، مرجع سابق . ( 3 ) انظر : روح المعاني 30 / 106 ، مرجع سابق .